مواقف الأسد من الشمال لا يمكن فصلها عن الدور السوري السابق في لبنان
شكوك حول ملابسات حادث التفجير في دمشق وإعلامها يهاجم الدول العربية التي لم تستنكر
يتريّث المراقبون الدبلوماسيون في بيروت، بإعطاء أي استنتاجات أو انطباعات، بشأن السيارة الملغومة التي انفجرت في دمشق الأسبوع الماضي، في انتظار الكشف عن بعض المعطيات والمعلومات المتعلقة بهذا التفجير الإرهابي الذي حدث في العاصمة السورية على هذا المستوى منذ مدة طويلة، كون النظام السوري يضرب طوقاً أمنياً على كافة ما يحيط بهذه الحادثة، ويمنع على وسائل الإعلام الخوض في تفاصيلها أو التحدث عن أبعادها، لا من قريب ولا من بعيد، كما حدث في حوادث أمنية وتفجيرات واغتيالات، حصلت في الآونة الأخيرة، وبقي التحقيق فيها قيد الكتمان وبعيداً كل البعد عن التداول السياسي أو الإعلامي·
وفي اعتقاد هؤلاء المراقبين أنه لا بد من انتظار بعض الوقت، ريثما تتكشف بعض المعلومات من جهات مستقلة، أو على اطلاع على ملابسات وأبعاد هذه الحادثة بشكل أو بآخر، كما حدث في جرائم مماثلة من قبل، كي تعرف الجهة الحقيقية التي تقف وراء هذا التفجير الإرهابي، والأهداف المتوخاة منها، في ضوء الظروف التي تمر بها المنطقة حالياً، إن لجهة التحركات الإقليمية الجارية لدفع عملية السلام بين سوريا وإسرائيل الى الأمام، بعد سلسلة من جولات التفاوض غير المباشر بين الجانبين الاسرائيلي والسوري وعلاقة هذه المسألة بالتحالفات الإقليمية القائمة بين سوريا وإيران، أو لجهة التضخيم السياسي السوري المفتعل لحالة التنظيمات الأصولية السلفية وخصوصاً في شمال لبنان، وارتباط هذا التصرف، بإثارة غرائز ومشاعر الدول الغربية عموماً كونها تتأثر سلباً من تنامي هذه الحالات الأصولية، وبالتالي استدراجها تدريجاً لأجل الاستحصال منها على تغطية مضمونة، للتحرك بشكل أو بآخر، وبدور اقليمي ودولي متجدد تحت عنوان القضاء على هذه الظاهرة علناً، ولكن في المضمون، يختلف الهدف عما هو معلن عنه جذرياً، ويتعلق بإعادة التدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية، لتحقيق مآرب سياسية محضة تحت عنوان مكافحة الارهاب، وصولاً إلى الهدف الأسمى وهو تعطيل كل مفاعيل ونتائج المحكمة الدولية، لملاحقة المتهمين بارتكاب جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في المرحلة الأولى على الأقل· ويستبعد هؤلاء المراقبون، أن تكشف مثل هذه المعلومات، في حادثة التفجير في وقت قريب، كما هي العادة، وينتظر أن تلقى التحقيقات الجارية التي تجريها السلطات السورية المختصة، مصير التحقيق في جريمة اغتيال القيادي في <حزب الله> عماد مغنية، الذي مضى عليه قرابة ثمانية أشهر، وبقي كل ما يتعلق بها، قيد الكتمان المطبق، بالرغم من وعد وزير الخارجية السوري وليد المعلم، بالكشف عن مصير هذه التحقيقات في غضون ايام معدودة، وهذا الأمر لم يحصل على الاطلاق حتى الآن·
كذلك الأمر بالنسبة لاغتيال الضابط محمد سليمان في اللاذقية منذ حوالى الشهرين، ولم يصدر أي خبر رسمي عن هذه العملية، أو الجهات المشتبه بتورطها في هذه الحادثة، اضافة إلى العديد من جرائم التفجير والاغتيالات الأخرى، التي غالباً، ما تدخل في غياهب الكتمان المطبق، او الصاقها بالعدو الاسرائيلي كما جرت العادة·
وفي نظر المراقبين الديبلوماسيين إن أهم هدف كان يحاول النظام تحقيقه من حادثة تفجير السيارة في دمشق، التي اتبعت بجريمة استهداف الجيش اللبناني في طرابلس بعد وقت قصير، تصوير سوريا بأنها ضحية للارهاب، كما هي سائر الدول المجاورة، وبالتالي فإن كل الاتهامات الموجهة اليها بأنها تدعم الارهاب في المنطقة، وتقوم بتسهيل مرور الارهابيين عبر اراضيها الى العراق، او الى لبنان، هي اتهامات ملفقة وغير صحيحة، وأقوى دليل على براءتها، من هذه التهم ما تعرضت له من خلال تفجير السيارة الملغومة في دمشق·
ولا شك أن النظام السوري، استطاع استدرار عطف بعض الدول الغربية والعربية، وتضامنها معه، لانه في المبدأ لا يمكن لاي انسان او دولة، او أي جهة سياسية، او منظمة حضارية، ان تؤيد مثل هذه الجرائم الارهابية مهما كانت تحفظاتها وتوجهاتها ضد النظام السوري الذي يحفل سجله بمثل هذه الجرائم الارهابية في لبنان او سوريا، او العراق وغيرها· ولكن موقف الرئيس السوري الذي صدر في اعقاب انفجار السيارة في دمشق، وتكراره للتوصيف المصطنع للاوضاع في شمال لبنان، بعد حشد وحدات كبيرة من الجيش السوري مقابل الحدود الشمالية، اثار شكوكاً كبيرة، وطرح استفسارات عديدة في الاوساط السياسية والدبلوماسية على حد سواء، حول ملابسات تفجير السيارة المذكورة وابعاد هذه الحادثة ومعطياتها، بعدما شنت وسائل الاعلام السورية القريبة من النظام السوري حملة شعواء على بعض الدول العربية التي لم تعلن استنكارها لهذه الحادثة، وخصوصا الدول التي سادت علاقاتها منذ فترة طويلة مع النظام المذكور، لعدم رضاها على سياسته المتبعة تجاه لبنان والعراق وفلسطين عموماً· وظهر جلياً من خلال هذه الحملة الاعلامية المركزة، وكأن حادثة تفجير السيارة مفتعلة عن قصد، ولو لم يكن الامر كذلك، لاستجداء العطف واعادة الانفتاح، والفوز بتوكيل عربي شامل واوروبي ايضا للعب دور امني جديد في لبنان، يسعى اليه النظام كما تكشف عن ذلك، بعدما تم توفير السكوت الاسرائيلي من خلال دورة المفاوضات غير المباشرة·
وفي خلاصة انطباعات هؤلاء المراقبين، ان موقف الرئيس الاسد من توصيفه المصطنع للوضع في شمال لبنان وجريمة استهداف الجيش، تزيد من الشكوك حول الجهات التي نفذت حادثة التفجير في دمشق، ولان اي تحقيق يعلنه النظام، سيكون موضع تشكيك ايضا حتى اذا كان صحيحا، في ضوء سلسلة قلبه للوقائع في احداث وجرائم عديدة حصلت من قبل، وخلال العقود الثلاثة الماضية على وجه التحديد·
اما طموحات النظام السوري، بالتدخل، او لعب دور امني جديد في لبنان على غرار ما كان يحدث سابقاً، فهذا امر قد يبدو صعبا ولا يلقى قبولا من معظم اللبنانيين مهما ناور وافتعل من مشاكل واحداث·