مسعى لخوض الانتخابات على أساس "لبنان مركز دولي لحوار الحضارات"
لماذا لم يعد قانون الـ 1960 لمصلحة المسيحيين؟
لأول مرة في تاريخ الحياة النيابية يقر مجلس النواب قانوناً للانتخابات عن غير اقتناع مبررا ذلك بالقول انه قانون الضرورة الذي تم الاتفاق عليه كتسوية في مؤتمر الدوحة. لكن في هذا المؤتمر تم التوافق على تقسيم الدوائر الانتخابية وفق قانون الـ60، على ان تبحث الاصلاحات الواردة في مشروع الهيئة الوطنية برئاسة الوزير السابق فؤاد بطرس، وهي اصلاحات لم يقر مجلس النواب سوى القليل منها لضمان حرية الانتخابات ونزاهتها، كما ان المجلس لم يقر نظام النسبية رغم تأييد الاكثرية لهذا النظام واعترافها بأنه يحقق التمثيل الصحيح لشتى فئات الشعب واجياله وفعالية ذلك التمثيل، بل اقر النظام الاكثري من دون معرفة الاسباب الخفية التي فرضت على هذه الاكثرية ذلك، مع انها اعترفت بأن قانون الانتخابات الذي اقره مجلس النواب ليس بالقانون العصري الحديث الذي يلبي مطالب البعض وطموحات أجياله الطالعة لأن ما يؤمن التمثيل الصحيح لشتى فئات الشعب هو الدائرة الفردية او التمثيل النسبي مع الصوت التفضيلي.
ويقول خبراء في الشؤون الانتخابية ان قانون الـ1960 اذا كان في مصلحة المسيحيين في الماضي فانه لم يعد بعد مرور خمسين سنة، خلافا لاعتقاد من توهموا انهم استعادوا حقوق المسيحيين بالعودة الى هذا القانون انما قد يكونون حققوا مصالحهم الانتخابية فقط بحكم تحالفهم مع "حزب الله" وذلك للأسباب الآتية:
اولاً: ان الناخب المسيحي عام 1960 كان صوته هو المؤثر والوازن حيث يشكل الغالبية في الدائرة، وكان هو الذي يأتي بالنائب المسلم مثل دائرة جبيل الانتخابية ودائرة جزين فأصبح صوت الناخب المسلم اليوم وتحديدا الشيعي هو الذي يأتي بالنائب الماروني وهو ما اعلنه صراحة مسؤول في "حزب الله" وفي قلب المنطقة مهددا بعدم وصول مرشح للنيابية من دون ان يسميه "لا الآن ولا غدا"، لأن الحزب غير راض عن سلوكه وسياسته. فالصوت الشيعي في الماضي لم يكن هو الصوت الوازن لأنه كان موزعا بين عائلات عدة فأصبح اليوم موحدا من خلال تحالف "امل" و"حزب الله" بينما توزع الصوت المسيحي بين اكثر من مرشح.
ثانياً: ان تقسيم الدوائر الانتخابية وفقا لقانون الـ60 الذي اعتمد القضاء باستثناء اقضية ظلت مندمجة مثل: بعلبك – الهرمل، ومرجعيون – حاصبيا والبقاع الغربي – راشيا، لم يعد في مصلحة الناخب المسيحي حيث الصوت المسلم فيها هو الصوت الوازن، اضافة الى دائرة طرابلس التي يفوز فيها الماروني والارثوذكسي بأصوات المسلم.
ثالثاً: ان الاقضية التي فيها غالبية مسيحية صافية او مختلطة مثل كسروان وزغرتا وبشري والكورة، والبترون، يمكن القول ان الناخب المسيحي فيها ينتخب النائب المسيحي وقي اقضية حيث الغالبية فيها مسلمة مثل: بعلبك – الهرمل، طرابلس، الضنية، صيدا، النبطية، بنت جبيل، صور وغيرها حيث الناخب المسلم ينتخب النائب المسلم يبرر الاخذ باقتراح للنائب ادمون نعيم رحمه طرحه عام 1996، وهو يقضي بأن ينتخب المسيحيون والمسلمون مرشحيهم لئلا تقع فئة تحت سيطرة فئة اخرى، ولكي يتم تحرير الارادتين المسيحية والمسلمة. وهذا يتطلب تقديم المرشحين عن كل مذهب من المذاهب بواسطة ابناء المذهب ذاته من دون سواهم وتنظيم اللوائح بأسماء ناخبي كل مذهب على حدة واعتبار الذين ينالون العدد الاكبر من الاصوات فائزين ثم يترتب عليهم تقديم ترشيحاتهم الى الانتخابات النيابية وفقا للأصول المنصوص عنها في قانون الانتخاب لأنه عندما ينتخب الناخب المسيحي النائب المسيحي في القضاء ذات الغالبية المسيحية، وينتخب المسلم النائب المسلم في القضاء ذات الغالبية المسلمة فلا فرق عندئذ بين هذا الوضع وما اقترحه النائب الراحل ادمون نعيم، علما ان عددا من النواب المسيحيين في غير دائرة يفوزون بأصوات المسلمين بموجب تقسيمات قانون الـ60.
رابعاً: ان الوضع الديموغرافي اليوم قد تغير كثيرا عن الوضع الذي كان سائدا في الماضي اذ ان عدد المسيحيين انخفض الى ما يقارب الـ 30 او 35 في المئة ولم يعودوا مؤثرين في نتائج الانتخابات الا حيث هم غالبية صافية. كما ان الوضع تغيَّر ايديولوجيا، مع قيام تحالفات مذهبية. فالزعيم البقاعي جوزف سكاف كان يواجه انتخابيا الزعيم الآخر صبري حمادة وكان كل منهما يتقاسم اصوات المسلمين والمسيحيين معا بدافع العلاقات الشخصية والخدمات وليس كما هي الحال اليوم بدوافع مذهبية او ايديولوجية. وكذلك الامر في الشمال بين آل فرنجيه وآل كرامي وفي الشوف بين كميل شمعون وكمال جنبلاط وفي الجنوب بين آل عسيران وآل الاسعد وفي بيروت بين آل سلام وآل الصلح وآل اليافي وما كان لحزب الكتائب برئاسة الشيخ بيار الجميل دور مؤثر في تأليف اللوائح.
ان الانتخابات في الماضي كانت تجري على اساس تنافس بين زعامات عائلية واتجاهات سياسية وطنية، يقترع فيها الناخب المسيحي والناخب المسلم للائحة هذا الزعيم او ذاك او لخطه السياسي، بينما الانتخابات اليوم تجري على اساس صراع مذهبي بين المرشحين اكثر من صراع سياسي، الامر الذي جعل نتائج الانتخابات محسومة سلفا سنياً وشيعياً ودرزياً، وغير محسومة مسيحياً بسبب تعدد الزعامات في الطائفة وعمق الخصومات فيما بينها الامر الذي جعل بعضها يتحالف مع الكتلة السنية شبه الموحدة، وبعضها الآخر يتحالف مع الكتلة الشيعية الاكثر توحدا علَّه يشكل مع اي من الكتلتين الاكثرية المرجوة في مجلس النواب العتيد، وهذه الاكثرية يتوقف تكوينها على نتائج المعركة بين المرشحين المسيحيين ولا سيما في جبل لبنان.
ولتفادي هذه المعركة يحاول سعاة الخير تحقيق تحالف بين الزعماء المسيحيين على غرار التحالف القائم بين الزعماء الشيعة والزعماء الدروز، ومن المحتمل ان يقوم ايضا بين بعض الزعماء السنّة وذلك على اساس الولاء للبنان السيد الحر المستقل، وقيام الدولة القوية القادرة وان لا يكون السلاح وظيفة سوى مواجهة العدو الاسرائيلي وليس في الداخل لأي سبب من الاسباب وايضا على اساس ما اعلنه الرئيس سليمان امام الجمعية العمومية للامم المتحدة وهو ان يكون لبنان "حاجة دولية ومختبرا فعليا لحوار الثقافات والديانات وان يكون مركزا دوليا لادارة حوار الحضارات والثقافات".
الواقع، انه اذا لم يقم تحالف انتخابي وان لم يكن سياسيا بين الزعماء المسيحيين كما هو قائم بين زعماء الطوائف الاخرى، فان بقاء التعددية داخل الطائفة المسيحية، يقابله توحد داخل الطوائف الأخرى لا يؤدي الى قيام لبنان الواحد الموحد بين جميع ابنائه، ولا يمكن تاليا بناء لبنان المستقبل بحجارة قانون انتخابي قديم بات من الماضي ولا اقامة الدولة المدنية على قانون مذهبي بل على قانون عصري حديث يؤمن التمثيل الصحيح، والا بقي الوضع السياسي والامني والاقتصادي في لبنان مفتوحا على شتى الاحتمالات.