حضَّر سيناريو مشابهاً للعام 1975 رغم معارضة" 8 و14" آذار كل لأسبابه
الأسد قرر العودة العسكرية إلى لبنان والمدخل "اتفاقية أمنية"
تركز الاهتمام السياسي اللبناني في الأيام القليلة الماضية على التلويح السوري المتكرر بإمكان التدخل العسكري في لبنان عبر الشمال والبقاع، وانشغلت القيادات السياسية من مختلف الاتجاهات بجلاء حقيقة المواقف من هذه المسألة بدءاً من الموقف السوري نفسه مروراً بمواقف الفرقاء اللبنانيين وصولاً إلى المواقف الخارجية, العربية والإقليمية والدولية.
مصادر سياسية بارزة متقاطعة بين فريقي 8 و14 آذار استبعدت أن يحصل أي تدخل عسكري سوري مباشر، على الأقل في هذه المرحلة، وعرضت لجملة من الوقائع والمعطيات التي تؤكد ذلك.
أولاًَ: عدم توفر الغطاء العربي والدولي للنظام السوري والذي كان متوفراً في العام 1976 يوم الاجتياح السوري الشامل للبنان، إذ أنه رغم ما قيل عن غطاء أوروبي عموماً، وفرنسي خصوصا، فإن المصادر الديبلوماسية الغربية في بيروت نفت علمها بهكذا تطور، كما أن الموقف الأميركي وهو الأهم يرفض بالمطلق هكذا تدخل ويؤكد ضرورة الالتزام الكامل بالقرار 1559 الذي أخرج الجيش السوري في لبنان. وهذا ما عبر عنه المسؤولون الأميركيون أخيراً.
المصادر لفتت إلى إمكان تبدل الموقف الأميركي نظراً للتجارب السابقة مع السياسة الأميركية البراغماتية في التعاطي مع لبنان والشرق الأوسط، وهذا ما يراهن عليه النظام السوري, كما انه يراهن على أن الموقف الأميركي الحقيقي في العام 2005 كان ضد الانسحاب السوري الشامل، ويؤيد بقاء القوات السورية في البقاع لضمان وجود قوة عسكرية قابلة للاستخدام ضد "حزب الله" والنفوذ الإيراني في لبنان, بما لا يتناقض مع اتفاق الطائف, ولكن الموقف الفرنسي في عهد الرئيس جاك شيراك كان حازما جدا بضرورة الانسحاب الكامل.
وعليه فإن الرئيس بشار الأسد الذي اتخذ قرار الانسحاب السريع والشامل تعرض لانتقادات من داخل فريق حكمه لأنه لم يستفد من تلك الفرصة.
بطبيعة الحال فإن هذه المراهنات غير مضمونة، وفي كل الأحوال فإنه من المبكر جدا الحديث عن تبدل في الموقف الأميركي، أي قبل الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة، وقبل أن تستقر الإدارة الجديدة، وهذا ما يتطلب شهوراً عدة, والنظام السوري يعرف ذلك ويحاول في الانتظار أن يضغط على اللبنانيين في الداخل، وان يستدرج عرض التدخل لمن يهمه الأمر في الخارج.
ثانياً: يبدو الموقف اللبناني أو بالأحرى المواقف اللبنانية مختلفة عن العام 1976، فالقوى السياسية الأساسية كلها تعارض التدخل العسكري السوري، كل منها لأسبابه الخاصة، فالمعروف أن قوى 14 آذار ترفض بالمطلق هذا التدخل، أما في جانب 8 آذار فإن الطرفين الأساسين "حزب الله" و"حركة أمل" يعارضان أيضاً، الأول لحسابات إيرانية تريد لطهران وحدها الإمساك بقرار ترسانة الحزب في حين أن حسابات الرئيس نبيه بري هي تقاطع مصالح بين تيارات سياسية داخلية مختلفة، ودول خارجية متعددة تضمن استمراره على رأس السلطة التشريعية، وتضمن استمرار تياره السياسي في الساحة الشيعية حيث يتعرض على الدوام لمنافسة إلغائية شديدة من "حزب الله".
أما العماد ميشال عون فقد بات خارج دائرة القرار "المعارض" في لبنان وتحول إلى مجرد ورقة مسيحية يستخدمها "حزب الله" بشكل أساسي ويبقى من قوى 8 آذار الأحزاب المتفرقة التابعة مباشرة لدمشق (البعث، القومي، وئام وهاب، طلال أرسلان) والتي لا تملك من القوة ما يؤهلها لتغطية أو حتى لطلب تدخل عسكري سوري، وهي في كل الأحوال تدين باستمرارها للنظام السوري نفسه، ولقوة "حزب الله" السياسية والعسكرية، وليس أدل على ذلك سوى تشكيل الحكومة حين أدخلها الحزب عنوة.
وبطبيعة الحال فإن الفيصل في الموقف اللبناني هو الموقف الرسمي، لأن النظام السوري في العام 1976 تذرع بطلب المساعدة الذي تقدم به رئيس الجمهورية آنذاك سليمان فرنجية، وهذا ما ليس متوفراً حالياً مع رئيس للجمهورية مختلف يدين لتوافق اللبنانيين حول شخصه، ولا يدين لأحد آخر بوصوله إلى سدة الرئاسة، كما أن الحكومة الحالية هي حكومة وحدة وطنية لا تملك قوى 8 آذار فيها القوة الترجيحية لتفرض قراراً بحجم طلب التدخل السوري.
ثالثاً: إزاء هذه المعطيات سيكون أي تدخل عسكري سوري في المستقبل غزواً واحتلالاً بكل ما للكلمتين من معنى، يجابه بتصد لبناني داخلي، وبرفض خارجي مؤكد، ولكن من مآسي التاريخ اللبناني الحديث أن الظروف الراهنة والتي تحول دون تسهيل التدخل السوري, مشابهة لظروف العامين 1974 و1975، والتي عاد النظام السوري وجيرها لمصلحته ودخل بغطاء عربي ودولي، فهل يتكرر المشهد نفسه؟ وكيف؟
المعلومات التي نقلها زوار دمشق في الأيام الأخيرة أن المسؤولين السوريين طلبوا من "حلفائهم" الاستعداد لمرحلة جديدة من التعامل السياسي في لبنان، أي بالانتقال من صفة الدفاع التي مارسوها منذ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري إلى صفة الهجوم وتكريس المواقع السياسية الداخلية استعداد لمرحلة سيكون فيها للنفوذ السوري يده الطولى في لبنان.
وعلى خط آخر يحضر المسؤولون السوريون "ملفاً ضخماً عما يسمونه "الاختراقات الأصولية والسلفية والإرهابية" لشمال لبنان، والتي تهدد برأيهم الأمن الوطني السوري، ليعرضونه على المسؤولين اللبنانيين ليكون ذريعة لتنسيق أمني واسع النطاق، قد يصل إلى توقيع اتفاقية أمنية بين البلدين, تفرض على الجانب اللبناني شروطاً معينة، مثل إطلاق يد الأجهزة الأمنية السورية داخل الأراضي اللبنانية لملاحقة المعارضين السوريين مثلا، باعتبار أن لبنان ملتزم بأن لا يكون مقراً لأية "مؤامرات" ضد سوريا، هذا في مرحلة أولى، ولاحقاً يتدخل النظام السوري على شكل خروقات عسكرية محدودة في مناطق معينة قد تنشب فيها معارك "يعجز" الجيش اللبناني عن إخمادها".
هذا السيناريو مشابه, أو هو تكرار لسيناريو العامين 1974 و1975، حين بدأ التدخل السوري متدحرجا وإلى حد ما، مبرراً، إزاء عجز السلطات اللبنانية عن ضبط الأوضاع وخصوصا في البقاع والشمال، وعلى رغم رفض الجانب اللبناني آنذاك توقيع الاتفاقية الأمنية التي أراد فرضها الرئيس حافظ الأسد، فإن التدخل السوري فرض نفسه حلاً وحيداً لفوضى السلاح آنذاك، مع الإشارة إلى أنها فوضى ساهم هو بفعالية في إحداثها من خلال جماعاته ومن خلال تشريع الحدود على مصراعيها لتريب السلاح إلى لبنان.
وتختم المصادر بأن التدخل العسكري السوري مستبعد الآن، ولكن القرار في دمشق متخذ بالعودة إلى لبنان، والمسؤولون هناك يحضرون الأرضية لذلك, لبنانياً وعربياً ودولياً، هذا ما سمعه زوار العاصمة السورية وقد زاد عددهم بشكل ملحوظ في الأسابيع الأخيرة، وأصبحت زياراتهم علنية.
وبطبيعة الحال فإن مفاتيح النجاح لا يمتلكها النظام السوري كلها لوحده، لذا فإن بإمكان اللبنانيين التحرك والتصدي لذلك كي لا يكررون الخطأ التاريخي الذي قتلهم وأسر بلدهم طوال عقود.