عود على بدء !
علي حماده
عادت الامور الى نقطة الانطلاق، اي الى خيار الفراغ المؤدي في النهاية الى تفكك الدولة، وانفراط مرجعيتها ما دامت دمشق وطهران لم تتمكنا بعد من احكام السيطرة على الواقع اللبناني بقراره السياسي وبموازين قواه. فمنع انتخاب رئيس جديد للجمهورية بذرائع السلة السياسية التعجيزية الناسفة في بعض محتواها لميثاق الوحدة الوطنية، اي لاتفاق الطائف، معناه ان المعركة التي تخاض اليوم ضد الشرعية اللبنانية، هي معركة ضد الصيغة، والميثاق نفسه.
فحين يجتمع فريقان من خلفيات مختلفة على محاولة نسف الطائف مثلما هو حاصل الآن، يمكن تصور قساوة المعركة التي تنتظر الاستقلاليين اللبنانيين. ومع ان اهداف الفريقين العاملين على نسف الطائف مختلفة جذريا، فإن تلاقي مصالح هذا الثنائي المتنوع طائفيا مع الهدف النهائي لنظام دمشق المندفع لكسر الاستقلال اللبناني، وللسيطرة عليه مجدداً لا يدع مجالا للشك في ان في لبنان من ينحر بلده عن سابق تصور وتصميم، ومن ينتحر عن وعي او عن لا وعي في المحطة الاخيرة التي ينوي اطراف بلوغها، اي انهاء لبنان بمعناه التاريخي، وبصيغته التعددية، وبتوازناته الدقيقة، وبنظامه الديموقراطي الفريد. من هنا قولنا ان ثمة من يؤدي اليوم دور “الثور الاسود” في تجاوزه حجما وتعقيدا.
ان المعركة الدائرة اليوم، هي معركة وجودية كيانية تتجاوز مسألة انتخاب العماد ميشال سليمان موضعاً لاجماع نظري حتى الآن. فالهجوم على لبنان لضرب مؤسساته الدستورية الواحدة تلو الاخرى، ولضرب اقتصاده وتهجير شبابه، ومحاصرة قواه الحية المبدعة ومحاولة تعليبها في سياق مشابه لما يحصل في انظمة الجوار الظلامية المتحجرة، هو المؤامرة الحقيقية على لبنان التي تتجلى في منع انتخاب رئيس الجمهورية الجديد. وما الشروط – الالغام التي تطرح في طريق الانتخاب سوى وسيلة اخرى من وسائل دفع لبنان نحو ازمة متجددة، أملا من اصحابها في قلب التوازنات الداخلية و الامساك بالحكم والسلطة كمدخل لتغيير الصيغة اللبنانية، بما يجعل لبنان كله جمهورية يلفها السواد والحزن المديدان!
ليست كل اطماع اعداء لبنان ممكنة التحقيق، ما دامت الغالبية العظمى من الشعب استقلالية الهوى، وما دام هناك من يقاوم هذه القوى الجهنمية في الداخل والخارج معا، منطلقا من ايمان عميق بأن معركة الاستقلال انما هي في الواقع حرب استقلال طويلة، يربح فيها الاستقلاليون معركة ويخسرون اخرى، ولكن الاهم يبقى في النهاية الفوز والظفر بلبنان الحرية والسيادة والاستقلال، تماما كما حلمنا به اعواما طويلة .
نوجّه كلامنا هذا الى ملايين اللبنانيين في الوطن والانتشار، وندعوهم مع حلول عيد الميلاد، الى ان يتذكروا لبنانهم في مخاضه العسير الذي ينتظر ولادة جديدة في زمن صعب، وفي منطقة مظلمة حزينة انسانها معذب ويكاد يسكنه اليأس!
لا مكان لليأس في حروب الاستقلال، ولا مكان للقنوط، ولا استسلام امام من يلوّحون بالقوة ، او يكادون يستخدمونها لكسر شوكة الحق والحرية والاستقلال . وتذكروا جيدا ان من سقط لنا من الشهداء لم تذهب دماؤهم اهدارا، وبالتأكيد لم تذهب في سبيل اجندات خارجية: هؤلاء اغتيلوا لأنهم حققوا لنا استقلالنا الثاني على رغم انظمة الموت، وايديولوجيا الحزن الاسود الذي لا ينتهي!