#adsense

المطلوب مناعة وطنية.. بعد المناعة المصرفية

حجم الخط

المطلوب مناعة وطنية.. بعد المناعة المصرفية!

الصخب السياسي المرافق للمصالحات المتعثرة هنا والصامتة هناك، شغل اللبنانيين عن متابعة ظاهرة كبيرة وايجابية في حياتهم اليومية، مكنت بلدهم السقيم سياسياً والمتردد اقتصادياً من البقاء خارج منطقة الزلزال الاقتصادي العالمي الذي فجرته الازمة المصرفية الاميركية، وانتشرت تردداته المدمرة في عواصم المال الاوروبية·

صحيح ان لبنان ليس البلد الوحيد الذي استطاع النجاة بنفسه من هذا الفيضان العالمي من الافلاسات والانهيارات المالية، وكان الاصح ايضا ان الوطن الصغير صاحب المديونية المرهقة وذو الامكانيات الاقتصادية والانتاجية المتواضعة، استطاع عبر المناعة التي يوفرها له نظامه المصرفي المتماسك ان يتجاوز تداعيات اكبر ازمة اقتصادية – مالية عرفها العالم منذ ازمة 1929، التي كانت من مسببات الحرب العالمية الثانية لاحقا·

والمتابع لحجم التراجع الذي اصاب معظم البورصات العربية والمتتبع لمقدار رؤوس الاموال والودائع الهالكة في افلاسات البنوك والمؤسسات الاميركية، يدرك جيداً اهمية المناعة المعززة التي حققها القطاع المصرفي اللبناني بمواجهة الازمة المالية العالمية، رغم حالة عدم الاستقرار السياسي السائدة في البلد، وتداعياتها السلبية على الحركة الاقتصادية المتعثرة في معظم القطاعات الانتاجية·

* * *

لعلنا لا نكشف سراً اذا قلنا ان المصارف اللبنانية استقطبت نسبة لا بأس منها من الودائع <الهاربة> من المصارف الاميركية والاوروبية المتعثرة والباحثة عن <ملاذ آمن> مسيّج بالثقة والادارة الماهرة· وكان يمكن ان تكون هذه النسبة مضاعفة بضع مرات، لو كانت الاوضاع السياسية والامنية في لبنان اكثر هدوءاً وأكثر استقراراً، ولكان الوطن الصغير قد عاد فعلاً ليكون مصرف العرب الاول، بل والبديل الاكثر تأهيلاً للمصارف السويسرية التي ضربتها ايضاً رياح الازمة المالية العالمية الراهنة! واصبح واضحاً ان مناعة القطاع المصرفي اللبناني قائمة على قاعدتين اساسيتين:

الاولى: السياسة الجريئة التي قادها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة منذ اواسط التسعينيات في اعادة تقييم اوضاع المصارف العاملة في لبنان والتي ركزت على دمج الصغير مع الكبير، وعلى تشجيع المصرف القوي على تملك المصرف الضعيف، الى جانب قيام هيئة الرقابة على المصارف بمهماتها بجدية ودقة متناهيين، الامر الذي ادى الى الحد من سياسة التفلت التي كانت سائدة خلال سنوات الحرب، والقضاء على حالة الفوضى والتسيب التي اودت ببعض المصرفيين المغامرين·

الثانية: تفوق القيادات المصرفية اللبنانية على مثيلاتها، ليس في المنطقة العربية وحسب، بل وفي دول المتوسط وغيرها من عواصم المال والاعمال· واستطاعت هذه القيادات المسلحة بالخبرة والادارة الواعية والمتزنة، ان تثبت نجاحها عربياً ودولياً في السنوات الاخيرة من خلال هذا الانتشار الكبير وغير المسبوق، للمصارف اللبنانية في بلدان عربية وآسيوية وافريقية واوروبية ايضاً!

* * *

من حق اللبناني الذي يفتخر بهذا النجاح الكبير للقطاع المصرفي، وبهذه <المناعة> المعززة للوضع المصرفي اللبناني، أن يتساءل عن >المناعة> المفقودة للوضع السياسي، والتي حوّلت الوطن الصغير الى ساحة صراع، ومرتع لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، على حساب أمنه واستقراره وازدهاره·

لقد أدّت حالة <فقدان المناعة> في الوسط السياسي الى إعادة البلد الى سنوات الصراعات المريرة والحروب العبثية، ونشرت آفة الانقسام والتناحر بين أبناء الطائفة الواحدة، والمنطقة الواحدة، وشطرت البلد الى مجموعتين من البشر توزعتا على حركتي 14 و8 آذار···!

والأفظع من كل ذلك، أن <فقدان المناعة> الوطنية، فتح أبواب التدخلات الخارجية على مصراعيها، وراحت الضغوطات المتشابكة، والصراعات الإقليمية والدولية المحتدمة، تتلاعب بمصير البلد وأهله، الى حدّ دفعه أكثر من مرة الى هاوية الفتن، المذهبية منها والمناطقية،·· ولولا لطف العناية الإلهية ورحمتها للعباد والبلاد، لكان البلد فد سقط في مهب الحروب العبثية من جديد·

* * *

إن لبنان الذي اشتهر في الستينات وحتى أواسط السبعينات من القرن الماضي، بأنه بلد <المعجزة الاقتصادية> الذي عاش في بحبوحة وازدهار واستقرار في مرحلة كانت المنطقة تهتز تحت ضغط الانقلابات العسكرية في أكثر من دولة عربية، ودول الخليج تنهض من بين رمال الصحراء لتبني دولها الحديثة مستعينة بالخبرات والكفاءات اللبنانية والعربية الأخرى·

إن لبنان بلد المعجزة الاقتصادية كان، وما زال وطن معجزات التعايش الديني، الذي استطاع أن يسطِّر تجربة فريدة من نوعها وليس في الشرق وحسب، تحوّلت الى نموذج صارخ ضد صيغة الدولة العبرية التي تحاول تقويض <الصيغة اللبنانية> لأنها تناقض النظام العنصري الصهيوني·

إن الحفاظ على مرتكزات >الصيغة اللبنانية> لا يكون باعتماد نظام انتخابي يشجّع الوحوش الطائفية، ولا باللجوء الى السلاح لحل الخلافات السياسية الداخلية، ولا بإطلاق العنان لخطابات التخوين والتهويل، والحافلة بشتى أنواع الشتائم، كما يفعل العماد ميشال عون في الآونة الأخيرة·

لقد أكدت التجارب المريرة أن لبنان هو بلد التسويات والتوازنات وأن <المناعة الوطنية> لا تتحقق إلا بجهد وطني جامع تشارك في إنجازه كل الفئات اللبنانية بكل ألوانها الطائفية والسياسية والحزبية والمناطقية، وأن محاولة أية فئة التفرّد بقرارها، أو القفز فوق إرادة الآخرين، أو فرض هيمنتها على الفئات الأخرى، هو الذي يؤدي الى اهتزاز مناعة الوضع الداخلي الذي يبقى هشاً، طالما بقي هذا الوضع أسير النظام الطائفي وصراعاته الفئوية الضيّقة·

* * *

لا ندري إذا كانت فرصة المصالحات الراهنة مؤاتية للعمل على تجديد <المناعة الوطنية> لحماية الوطن الصغير وأهله من رياح العاصفة التي تحيط بالمنطقة، والتي كثر الحديث عنها في الآونة الأخيرة على إيقاع تطورات الملف النووي الإيراني·

ولكن هذه المصالحات وحدها لا تكفي، وقد لا تدوم، إذا لم تبادر الدولة اللبنانية الى تحقيق <مصالحة ما> مع سوريا، تقوم على مبادئ التقدير والاحترام المتبادل لسيادة وخصوصية كل بلد،·· وذلك بمعزل عن مؤثرات المحكمة الدولية التي تدور حالياً في فلك النظام الدولي بعيداً عن التأثيرات المحلية والإقليمية·

المصدر:
اللواء

خبر عاجل