لعلها المفاجأة الأجمل من ان تصدق فعلا ان يتمكن البابا، الذي واجهته عواصف التشكيك،وفي ثلاثة ايام فقط، من ان يرفع أمام العالم مشهداً لبنانياً مستعاداً بعد 15 عاماً تماماً لم يقل ذرة في يومه الثالث عما فعله سلفه الكاريسمي يوحنا بولس الثاني.
في اليوم الثالث، ومن وحي حامي العقيدة قبل ان يصبح خليفة بطرس على رأس الكنيسة، خطف بينيديكتوس لبنان من قعوده وتراجعه وهبوطه ونفض عنه كل الغبار والصدأ اللذين الحقهما بنفسه. ذلك المشهد المترامي بشراً ومشاعر متقدة وحضارة وتعددية عند واجهة بيروت البحرية، أرسل الى عموم اللبنانيين والعرب والعالم الغربي ما اراد ارساله البابا صاحب الايمان الحديدي ليس برسالته البابوية وتجلده فحسب بل برسالة لبنان.
ولا يتصل الأمر بالحشد العددي الذي فاق كل التوقعات فحسب وانما أيضاً بذلك الشغف اللبناني العارم الذي بدا كأنه الانجاز الخارق للبابا الذي قال معه اللبنانيون للحبر الاعظم إننا نصدق ان لبنان لا يزال لبنان.
أعاد بينيديكتوس السادس عشر العقيدة الحقيقية التي تتجاوز العقيدة الايمانية للمسيحيين ومعهم الى سائر اللبنانيين بأنهم البديل الحي القائم والمتفاعل شرط ان يعوا قيمة ما هم عليه، حتى لو شكك المشككون في ان اللحظة البابوية يمكن ان تذهب مع وداع الزائر الكبير.
ليس تفصيلاً عابراً ذلك المشهد المترامي البانورامي الذي ارتسم في بيروت، ولا قبله وعشيته، شغف الشباب في بكركي، ولا بينهما مشهد جمع كل من استعصى جمعهم من قبل في قصر بعبدا على رغم تفاقم الانقسامات اللبنانية في كل الاتجاهات.
ولعل المفارقة هنا ان البابا الثائر يوحنا بولس الثاني كان قد حل زائراً على لبنان والشرق الاوسط في زمن خمود الثورات، فتخلف هذا الشرق عن اللحاق بزمن التحرّر والثورات وانهيار جدار برلين أكثر من عشرين سنة الى موعد زيارة البابا الالماني. اما البابا بينيديكتوس السادس عشر فحل عندنا والعالم العربي يغلي بالمد الثوري ليرفع لبنان نموذجاً للحريات الدينية والسياسية والتعددية وخريطة طريق لربيع حقيقي ناجز يصنعه المسلمون والمسيحيون من وحي التجربة اللبنانية التاريخية. وهي المفاجأة المفرحة ان يختار البابا لبنان المنقسم حتى العظم حول الثورة السورية لرفع منسوب ملاقاة الكنيسة الكاثوليكية للربيع العربي على أساس مبدئي واخلاقي وديني باعتباره "صرخة حريّة" مقترنة بصرخة الارشاد الرسولي الى جميع الاديان وممثليها لمناهضة التطرف الديني واستئصاله في كل انحاء الشرق الاوسط.
سيسجل للبابا ان لبنان في "عهد"زيارته له تحول في ثلاثة ايام فقط الى محطة لمنعطف كبير وكبير جداً عبر اختراق شاءه البابا لهذا البلد العجيب على صورة ناسه ومواطنيه وشبابه الذين كانوا الاصدق اطلاقاً في تلقف البعد الذي حمله الى لبنان في احلك الظروف.