سوريا تنوي تنفيذ عمليات محدودة على النموذج التركي في شمال لبنان
فجأة أصبحت منطقة الشمال اللبناني، ومدينة طرابلس خصوصاً، في واجهة الاهتمامات الدولية على وقع العناوين التي فرضتها تطورات الأيام الماضية والتي بقيت موضع جدل حول خلفياتها وأجوائها، ومن أبرز هذه العناوين:
– الانتشار العسكري السوري على الحدود الشمالية للبنان، والذي بلغ عديده نحو خمسة عشر ألف جندي وضابط من الفرقة الرابعة في الجيش السوري (الوحدات الخاصة)، مع كتيبة استطلاع مواكبة يتردد أن ضباطها وعناصرها ممن عملوا سابقاً في فروع المخابرات السورية في طرابلس وعكار والمنية والضنية.
وفي هذا السياق بدأ هؤلاء العناصر بسلسلة اتصالات مع عدد من الأشخاص على الطرف اللبناني من الحدود في الجهة اللبنانية، وهي تجري مباشرة وبالواسطة، حيث يقوم مخبرون من الجهة اللبنانية بحمل رسائل ود وتهويل من المخابرات السورية إلى لبنانيين، كانوا على علاقة سابقة مع المخابرات السورية ثم انقلبوا عليها بعد انسحاب القوات السورية من لبنان في عام 2005 أو انكفأوا خوفاً من ردات الفعل عليهم, فضلاً عن الخلايا السورية النائمة في شمال لبنان والتي بدأ العمل لإيقاظها.
كما أن اتصالات هاتفية بدأت ترد لبعض هؤلاء على سبيل السلام والتحية للتذكير بأن المخابرات السورية موجودة وقريبة، فضلاً عن بعض المعلومات التي يجري مواجهة بعض هؤلاء بها للإيحاء بأن المخابرات السورية تعرف كل شيء عنهم، مما يساهم في حملة التهويل التي تحاول إجراء تغيير قسري في مواقف أبناء مناطق الشمال عموماً، وفي عكار خصوصاً.
– الانفجار الذي وقع في دمشق والذي استهدف بحسب ما هو متداول ضابطاً سورياً كبيراً يرجح أن تكون له علاقة بملفات كبيرة وخطيرة، قد يكون ملف اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري الأخطر فيها على الإطلاق.
وقد حاولت سوريا الإيحاء بأن السيارة المفخخة قد تم تجهيزها في "بلد مجاور" وزادت في تلك الإيحاءات إلى درجة كادت تصبح إعلاناً رسمياً بأن السيارة المفخخة جاءت من شمال لبنان.
التصريح الذي أدلى به الرئيس السوري بشار الأسد أخيراً إلى وفد صحافي لبناني وسلط فيه الضوء على طرابلس والشمال باعتبارهما وكراً للتطرف الإسلامي والإرهاب.
– الانفجار الذي استهدف حافلة عسكرية للجيش اللبناني في مدينة طرابلس مطلع الأسبوع الماضي عشية عيد الفطر المبارك، والذي توجهت الأنظار فيه نحو المجموعات الإسلامية، والحالة الإسلامية السلفية، وجرت صياغة حملة إعلامية مركزة لتحميل المسؤولية عن هذا الانفجار إلى تلك المجموعات التي تم ربطها بخلايا وبقايا تنظيم "فتح الإسلام" الذي قضى عليه الجيش اللبناني قبل عام تماماً في مخيم نهر البارد في شمال لبنان.
– حصل ربط مباشر بين انفجار طرابلس وانفجار دمشق، ما أوحى بأن الجهة المنفذة واحدة وتتخذ من شمال لبنان منطلقاً لعملياتها التي يرجح لها أن تتوسع خارج لبنان إلى أوروبا والعالم، وهذا ما ساهم في تغطية التحركات العسكرية السورية على الحدود الشمالية للبنان، ويعطيها التبريرات التي تخيف الدول الأوروبية.
لكن ما يمكن الإشارة إليه في هذا المجال هي تلك المعلومات التي جرى تسريبها عن احتمال تحول مخيم البداوي الملاصق لمدينة طرابلس من الجهة الشمالية الشرقية إلى مقر للإرهاب أيضاً على غرار ما يحصل في مخيم عين الحلوة قرب صيدا في الجنوب اللبناني، خصوصاً عن احتمال تحضير متفجرة طرابلس التي استهدفت الجيش في ذلك المخيم أو أن المتطرفين يتخذون منه مقراً وملجأ، وهو ما يستدعي تدخل الجيش اللبناني الذي أنهكته معركة مخيم البارد العام الماضي.
لكن الجيش اللبناني سارع إلى نفي تلك المعلومات رسمياً، خصوصاً أنه لم تشاهد ميدانياً أي إجراءات عسكرية في محيط المخيم أو حتى في داخله، وهذا ما قطع الشك باليقين في هذه الإيحاءات والاتهامات التي أرادت إقحام الجيش في مواجهة تستدعي لاحقاً طلب مؤازرة الجيش السوري لحسمها، نظراً لضعف إمكانات الجيش العسكرية وكذلك لعبء النتائج التي حملها من مخلفات حرب مخيم نهر البارد التي استمرت مئة وستة أيام كاملة.
من هنا، بدت سورية تستعد لتنفيذ هجوم سياسي مباغت في العالم يؤمن لها غطاء مناسباً لتحركاتها ومشروعها وخطتها التي تنوي الشروع في تنفيذها قريباً للضغط الذي يؤثر على نتائج الانتخابات النيابية من خلال ترهيب المواطنين.
وبحسب الكثير من المعطيات التي تسربت، فإن المسؤولين السوريين حاولوا الحصول على غطاء سياسي لعمل عسكري محدود في شمال لبنان ضد عدد من المناطق المتاخمة للحدود والتي تحاول سورية الإيحاء بأنها معقل للمجموعات الأصولية، خصوصاً في قرى جبل أكروم الذي لا يبعد عن الحدود أكثر من خمس دقائق، فضلاً عن أن معظم أبنائه ينتمون سياسياً إلى "تيار المستقبل" وقوى "14 آذار"، كما أن معظم أبناء هذه المنطقة المؤلفة من سبع قرى ينتسبون إلى الجيش اللبناني من مختلف الرتب.
وكشفت المعلومات أن وزير الخارجية السورية وليد المعلم أبلغ وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس ومساعدها ديفيد ولش بأن سورية لم تعد تستطيع الصمت على تكوين مجموعات أصولية على حدودها، وهي ستضطر لاتخاذ التدابير الكفيلة بضرب تلك المجموعات التي تتجمع للتوجه إلى العراق ومقاتلة الأميركيين.
ووفق المعلومات، فإن المسؤولين السوريين يحاولون الحصول على غطاء أوروبي-أميركي لعمل عسكري محدود ومتكرر في الشمال ضد بعض القرى في عكار، بحجة ضرب المجموعات التي تحضر نفسها للتسلل إلى سورية، وذلك على غرار النموذج الذي تعتمده تركيا في توجيه ضربات عسكرية متتالية للمناطق العراقية المتاخمة للحدود مع تركيا، أي من خلال عمليات محدودة وتوغل موقت وتراجع داخل الحدود اللبنانية، باعتبار أن هذا التوغل سيشكل ضغطاً كافياً على أبناء عكار قبل الانتخابات النيابية.
لكن الأبرز في الستراتيجية السورية المتعددة الأوجه داخل سورية ومع لبنان هو محاولة استباق التقرير النهائي للمحقق الدولي في قضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في لبنان والذي يفترض أن يصدر نهاية العام الجاري، ويرجح أن تكون متفجرة دمشق واغتيالات كثيرة لا يتم الإعلان عنها تحصل في سورية مرتبطة بتلك التحقيقات وما يمكن أن تفضي إليه من نتائج.