#adsense

الميلاد سلام المسيح ومخاض الأمة

حجم الخط

الميلاد سلام المسيح ومخاض الأمة
الأب ميشال سبع

 

جاء في انجيل متى حول ولادة يسوع: “ولما ولد يسوع في بيت لحم اليهودية في ايام هيرودس الملك إذا مجوس قد أقبلوا من المشرق الى أورشليم قائلين أين المولود ملك اليهود فإنا رأينا نجمه في المشرق فوافينا لنسجد له فلما سمع هيرودس الملك اضطرب هو وكل أورشليم معه وجمع كل رؤساء الكهنة وكتبة الشعب واستخبرهم أين يولد المسيح فقالوا له في بيت لحم اليهودية لأنه هكذا كتب بالنبي وأنت يا بيت لحم أرض يهوذا لست الصغيرة في رؤساء يهوذا لأنه منك يخرج المدبر الذي يرعى شعبي إسرائيل حينئذ دعا هيرودس المجوس سراً وتحقق منهم زمان النجم الذي ظهر ثم أرسلهم الى بيت لحم قائلاً إذهبوا وابحثوا متحققين وإذا وجدتموه فأخبروني لكي أذهب أنا أيضاً وأسجد له… ولما رأى هيرودس أن المجوس قد سخروا به غضب جداً وأرسل فقتل كل صبيان بيت لحم وتخومها من ابن سنتين وما دون على حساب الزمان الذي تحققه من المجوس… وقد تراءى ملاك الرب يوسف في الحلم قائلاً قم فخذ الصبي وأمه وأهربا الى مصر وكن هناك حتى أقول لك فإن هيرودس مزمع أن يطلب الصبي ليهلكه فقام وأخذ الصبي وأمه ليلاً وانصرف الى مصر وكان هناك الى وفاة هيرودس… هكذا كان “متى الفصل الثاني”.


كل امرأة تلد بعد مخاض وكل مخاض فيه ألم ووجع لأن الطفل المولود يمزق حجب ظلامه كي يضيف اشراقة وجودية لهذا الكون، والمسيح لم يكن طفلاً لأمه بل لأمته التي ما لبثت أن تمزقت بدورها لتصبح اشراقة كونية على مستوى الزمان والتاريخ والجغرافية. لذا فإن مخاض الأم صار مخاض الأمة ووجع الأم صار وجع الأمة فدفعت ثمناً باهظاً بمقتل أولادها وهؤلاء الأطفال الذين قتلوا بدون ذنب سوى أنهم كانوا في زمن ولادة المسيح ماتوا هم بدلاً عنه حيث هرب به أبوه. إنهم الاطلالة الأولى للفداء وإذا كان المسيح قد مات قابلاً وراضياً فهؤلاء ماتوا بدون ذنب ولا إرادة ولا رضى.


أطفال بيت لحم صوت صارخ وعويل لولادة الخلاص السلامي وهذا فعل ما زال يتردد كل فترة في التاريخ لدرجة التواصل عبر العالم. ففي كل عام هناك أطفال يموتون عن مخاض أمة تبحث عن السلام، وما زال أطفال بيت لحم في فلسطين يموتون منذ خمسين عاماً وأقرباؤهم يموتون خارج فلسطين مشردين ولاجئين على امتداد بلاد العرب والغرب، وقد تماثل بهم أطفال العراق وزايدوا عليهم بضريبة الدم حيث هيرودس صار أكثر تقنية وأشد توحشاً. كلهم يدفعون ضريبة المخاض من أجل الوصول الى السلام المرتقب والمرتجى.


لكن إذا كان أطفال فلسطين وأطفال العراق يُقتلون ويموتون بين الغرباء والأعداء والإرهابيين المتسلحين والمقنعين تارة بالدين وتارة بالعنصرية فإن أطفال لبنان يُقتلون بيد من يحميهم ويتشدق انه يعمل لخيرهم ولمستقبلهم. أطفال لبنان يكبرون بالموت وتتفتح عيونهم على غدٍ ذاهب إلى الماضي، تذبح أحلامهم أمامهم على يد صانعي الأحلام الموهومة، ان قادتهم لا يقتلون بغضب كما فعل هيرودس ولا بخوف من تكارثهم كما يفعل العنصريون اليهود في فلسطين ولا بوحشية الصلاة الكاذبة والدين الملتحف بالحقد الاسود والتطيف الاعمى كما في العراق، بل فإن قادتهم في لبنان يقتلونهم وهم يقدمون ذبيحة غفران عن خطاياهم، انهم يقتلونهم بتؤدة لا بل يقنعون آباءهم بضرورة قتل أولادهم من أجل خير الأمة.


وحشية القتل البطيء في لبنان اليوم تفوق كل وحشية قتل جرت في التاريخ والجغرافيا، إنها القتل بمفهوم ديموقراطي وتعارضي انها مذبحة لأحلام الأطفال الذين صاروا شباباً وهم ما زالوا بعيون قادتهم أطفالاً، وما زال قادتهم يحكون لهم الأساطير والحكايا المخيفة أبطالها دوماً القادة الآخرون ومسرحها دوماً أرض لبنان وإذا كانت ضريبة الدم التي دفعها أطفال بيت لحم كانت ضريبة الأمة لولادة رسول السلام فهل يدفع أطفال لبنان ضريبة آمالهم وأحلامهم المسفوكة من أجل السلام المرتجى حقاً؟ المسيح ولد في بيت لحم، من لحم ودم، والسلام فيه كان مرتجاً واقعياً، أي مسيح مرتجى في لبنان؟ وأين المسيح الواقعي الذي سيحقق هذا السلام؟ أليس مهيناً وعاراً ان يعود التاريخ إلى ما قبل المسيح في لبنان فيصبح الميلاد دموياً والولادة فيه كاذبة حيث لا مسيح مولود ولا سلام يقوم.


يقول الكتاب ان الملائكة رنموا: وعلى الأرض السلام، انها إرادة السماء ان يقوم السلام في الأرض، والمسيح عمل من أجل هذا صارخاً: سلامي أعطيكم، فهل يسمع القادة صوت المسيح وخصوصاً القادة المسيحيون الذين تتساءل: وهل عرفوا المسيح حقاً وهل سمعوا به ذات يوم؟ لقد ذهبوا في الصف في جنازة وداع الشهيد البطل فرنسوا الحاج ليتناولوا القربان المقدس، أي قربان هذا الذي تناولوه، وأي مسيح هذا الذي تقبلوه، وأي مسيح هذا الذي يبشرون بسلامه؟


ميلاد المسيح كان حزناً ومخاضاً لأمة تنتظر سلامها ولعلها ما زالت تنتظر فالسلام في العالم اليوم هو مجرد ألعاب للهو وليس واقعاً للفرح، وإذا كان أطفال أوروبا وأميركا يفرحون فإن أطفال فلسطين والعراق ولبنان يبكون والملايين من أطفال آسيا وافريقيا يشاركونهم البكاء لعدم حصولهم على فسحة حرية للتعبير أو لعدم حصولهم على لعبة يلعبون بها. أطفال لبنان، شباب لبنان، شعب لبنان، الأطفال والطفل الذين ما زالوا يصدقون أكاذيب المهرجين من قادتهم، فرحهم هو الكلام المعسول المبطن، المهم هو الخوف الدائم من الغد، وعوضاً أن يكون الغد حلماً وردياً يصير مع قادتهم كابوساً دائماً.


لكن الميلاد هو ميلاد المسيح، وهو ميلاد سلام الأمة، وكما أن المسيح عاد بعد غيبة قسرية بعد موت هيرودس لينشر الشفاء والأمل والسلام في بلاده، فإن الخشية أن يبقى أطفال لبنان في موت سريري قسري حتى يموت هيرودوسيوهم فيعودون للحياة عندما يحل السلام على الأمة

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل