#adsense

مع الحكيم الاباتي بولس نعمان

حجم الخط

مع الحكيم الاباتي بولس نعمان

في الحديث الذي أجراه بالامس الزميل بيار عطاالله في "النهار" مع رئيس الرهبانية المارونية الاسبق الاباتي بولس نعمان، في مقر اقامته الحالي في دير سيدة المعونات في جبيل، عصارة تجربة غنية في الحياة العامة اللبنانية في فترة من اصعب الفترات التي عبرها الوطن الصغير بمساحته، الكبير بأزماته السياسية والوجودية، وفيه الكثير من حكمة الناظرين الى الامور من موقع "المراقب الملتزم"، واهم ما فيه حكمة من يستخدم اسقاطات تاريخية على واقع راهن يعيشه لبنان الذي لم يتعب من "مواعدة" الصعاب والشقاء. وكأن قلة قليلة وحدها تفيد من التجارب، ولكنها تكاد تكون معزولة امام زحمة من يرفضون الاحتكام الى حقائق، او التعلم مما وممن سبق.

أهم النقاط التي تستوقفنا في حديث الاباتي نعمان، الذي كنا نتمنى لو انه افاض فيه اكثر مما فعل، تركيزه على موقع المسيحيين في لبنان، آسفا لكونهم لم يلعبوا دور الجامع بين المسلمين، فانخرطوا بدل ذلك في صراعات يعتبر نعمان انها سنية – شيعية. لكن نعمان، وهنا الاهم، يعود في مكان آخر ليعتبر "العناية الالهية تدخلت وأوجدت للبنان مدافعين جددا عن الحرية والديموقراطية لم نحلم ان يقفوا بجانبنا (المسيحيين) وهم السنة الذين يحملون شعاراتنا، اما الدروز فكانوا دائما مع شعارات الحرية، وهم اليوم يزايدون (بالمعنى الايجابي) علينا في دفاعهم المستميت عنها. ومن الاكيد ان الهوية الاستقلالية اللبنانية قد عمت غالبية الطوائف اللبنانية…

ومن دون ان نوافق الاباتي نعمان على حصره ازمات لبنان بصراع سني – شيعي لا نؤمن به اطلاقا، نستشف منه مقاربة تاريخية لواقع اسست له ثورة الارز التي انفجرت عقب اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2004، وشكلت مفصلا تاريخيا في مغادرة السنة اللبنانيين ضفة المتعايشين مع الوصاية السورية، فالتقى جناحان لبنانيان اساسيان لصنع استقلال لبناني ثان، عرقله ما يعتبره نعمان في مكان آخر من الحديث "ان الطائفة الشيعية مخطوفة لمصلحة المشروع الايراني بواسطة المال والسلاح". وما كانت ثورة الارز ممكنة لولا انتقال المسلمين بقيادة الحريري الذي مهد لذلك بالتمرد على السوريين تارة بالمواربة عبر بوابة الاقتصاد عندما عمل على تكبير حجمه بأي ثمن لتذويب السيطرة السورية على مراحل، ثم مجاهرة عندما رفض التمديد لمرشح سوريا في الرئاسة خريف 2004.

واذا كان من ايجابية، اقله نظريا، لفكرة التحالف الرباعي الذي حصل بين قوى 14 آذار الاسلامية والثنائي الشيعي في انتخابات 2005، فهي انها شكلت محاولة (وإن فاشلة) لفتح بوابة واسعة امام الطائفة الشيعية للعبور الى المشروع الاستقلالي، الامر الذي لم يحصل بسبب رجحان ارتباط كل من "حزب الله" وحركة "أمل" بأجندتي ايران وسوريا في لبنان. فسقطت المحاولة التي جرى استغلالها انتخابيا على الساحة المسيحية في الشكل الديماغوجي المعروف، لكي تستبدل بعد اقل من ستة أشهر بوثيقة تفاهم منحت الخيار السياسي الاقليمي للثنائي الشيعي تغطية مسيحية، وسمحت لهذا الثنائي بالتحرر من ضغط مزدوج، الاول الموجة الكبيرة التي نقلت السنة والدروز جهارا الى المشروع الاستقلالي، وكانت ذروته في الرابع عشر من آذار 2005، اما الثاني فهو ضغط القوة الشيعية الاستقلالية التي كانت بدأت تكبر لكسر احتكار الطائفة من ناحية، ونقل شريحة واسعة الى المشروع الاستقلالي تمهيدا لاقناع الثنائي به لاحقا من ناحية اخرى.

على المستوى المسيحي – المسيحي يقول الأباتي نعمان إن المسيحيين يعانون حاليا أزمة رجال وزعامات حقيقية، مستذكرا سيرة رجالات كبار أمثال اميل اده، وبشارة الخوري، وكميل شمعون، وبيار الجميل وريمون اده. عند هذه النقطة ومن دون الدخول في لعبة الاسماء الحالية، نخالف الاباتي نعمان بعدم وجود رجال وقيادات حقيقية، ونحيله الى مرحلة 2004 و2005 التي أسس لها عمليا بيان المطارنة الموارنة في ايلول 2000، وتجسدت خلال تلك السنوات بتجمع "لقاء قرنة شهوان" احد التجارب المسيحية الوطنية المضيئة، اذ أوجد اللقاء من خلال مواقفه برعاية كبير المسيحيين البطريرك صفير ومعه المطران يوسف بشارة المساحة المشتركة التي كانت تفتقدها العلاقة المسيحية – الاسلامية، وأطلق ما يسميه سمير فرنجية "كتلة تاريخية استقلالية". لكن ظاهرة شعبوية بعد ايار 2005 قطعت الطريق على هذا المشروع الوطني المتقدم وعادت بالواقع المسيحي أشواطا الى الوراء، وأقحمته في ما يشكو منه نعمان معتبرا أنه صراع سني – شيعي، جاعلة من نبش القبور واشعال أحقاد الحرب نمطا سائدا في الحياة السياسية المسيحية. وهذا ما يؤسف له.

أيا يكن الامر، فما نرمي اليه في هذا المقام هو القول ان حكمة الاباتي نعمان في قراءته التاريخ، ومقاربته للحاضر يجب ان تدفعا مسيحيين ومسلمين الى التفكير ملياً في خياراتهم الخاطئة اليوم، خصوصا ان أزمة لبنان الحالية تتمحور على الخيارات الكبرى، أي على ما يسميه نعمان "مشروع الولاء للدولة اللبنانية لبناء الدولة الديموقراطية التي تحمي الجميع، وتمنع الديكتاتورية والهيمنة"… فتحية الى الحكيم بولس نعمان، ابن شرتون الحبيبة.

المصدر:
النهار

خبر عاجل