أي أبعاد للاتفاق العسكري بين وزارتي الدفاع اللبنانية والأميركية ولبيان سليمان بعد الاتصال بنظيره السوري؟
السيادة اللبنانية خط أحمر والأسد يلتزم بعد فشل "بالونات الاختبار"
يعتقد سياسي لبناني مخضرم أن اللبنانيين قد يكونون في وضعية من خسر تصوّراً "ثانوياً"، ولكنهم بالتأكيد في وضعية من حقق مطلباً "وجودياً".
ويشير هذا السياسي الى أن "حملة التيئيس" التي يتعرض لها اللبنانيون، منذ فترة، في عملية دعائية منتظمة، لا تتصل مطلقاً بمطلب السيادة والاستقلال والقرار الحر، فهذا واقع بات مكرساً ودعائمه تتثبت يوماً بعد يوم، إنما يمكن اعتبار أنّ هذه الحملة تستهدف فئة صغيرة، كانت تتصوّر أن سقوط النظام السوري ممكن، مع أن أيّاً من المنظرين الاستراتيجيين لم يجار هذه الفئة في تصورها، وكان دائماً يردد على مسامعها، أن النظام السوري باقٍ طالما أن إسرائيل تعمل في خدمة هذا الهدف.
وتثبيتاً لاعتقاده هذا، يقدم السياسي اللبناني المخضرم نموذجين "طازجين" حدثا في لبنان، الأول يتصل بالاتفاق العسكري الذي أبرمته وزارتا الدفاع اللبنانية والأميركية بعد يوم طويل من اللقاءات أمس، برئاسة وزير الدفاع اللبناني الياس المر ومساعدة وزير الدفاع الأميركي ماري بيث لونغ، والثاني يتمحور حول أبعاد البيان الصادر عن القصر الجمهوري بعد الاتصال الذي أجراه الرئيس ميشال سليمان بنظيره السوري بشار الأسد بشأن "المشكلة" الحدودية بين البلدين.
فماذا، بداية عن النموذج الأوّل؟
بغض النظر عن تفاصيل الاتفاق وما وفّره للجيش اللبناني من تدريب وتجهيز وذخيرة ومروحيات "كوبرا"، فإن ما يستدعي التوقف عنده يتمحور حول أبعاد مدة السنوات الخمس التي تمّ التوافق عليها للتدريب.
وهذا يعني، وفق مصادر اطلعت على الحركة الأميركية في لبنان، أن إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش تملك، بفعل الوكالة المعطاة لها، بما يختص بالشأن اللبناني، من الكونغرس المسيطر عليه من الحزب الديموقراطي، القدرة على ربط الإدارة الأميركية المقبلة بتعهدات تغطي كل الولاية الرئاسية للرئيس الأميركي الجديد.
ومن شأن هذه السلوكية الأميركية التي كان رمزها الاتفاق الموقع عليه أمس في لبنان، أن تؤكد أن الواقع اللبناني الذي ترسخ، بفعل "ثورة الأرز"، لا يمكن أن يصيبه أي ضرر على المستوى السيادي، لا خلال فترة "البطة العرجاء"، أي طوال الفترة الانتخابية الأميركية، ولا في الفترة الانتقالية التي تشهد تشكيل الإدارة الأميركية الجديدة بفعل التغيير الذي سيحصل على مستوى رئاسة الولايات المتحدة الأميركية.
وبغض النظر عن الإصابات القاتلة التي تعرضت لها صدقية الجهات المكلّفة منذ أشهر التشكيك بصدقية الوعود الأميركية للجيش اللبناني، فإنّ الاتفاق المعلن عنه في لبنان، هو إشهار أميركي لدعم المؤسسة التي توفر وحدة اللبنانيين وحماية حدودهم واستقرارهم واستقلالهم وسيادته، والتي هي وحدها مخوّلة مواجهة أي حال إرهابية "ناشئة"، من دون تدخل من هنا أو من هناك، ولا سيما من النظام السوري الذي فعل المستحيل في الأسابيع القليلة الماضية، من أجل الاستحصال على وكالة دولية تخوّله ممارسة دور ما في الشمال اللبناني.
وهنا تبرز أهمية النموذج الثاني، الذي تمثل بالاتصال الذي أجراه رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان بنظيره السوري بشار الأسد.
أهمية هذا الاتصال تكمن تحديداً في أنه نقل النظام السوري من حالة التفلت من أي التزام تجاه أهداف تحريك عشرة آلاف جندي الى حالة الالتزام بمسائل تهم الداخل السوري أولاً ومتفق عليها مسبقاً مع لبنان ثانياً وتندرج في إطار القرار 1701 أولاً وأخيراً.
قبل هذا الاتصال المعلن عنه في بيان رسمي يتمحور حول سيادة لبنان المطلقة المكرسة في القرار 1701، كان النظام السوري يرمي "بالونات اختبار" هنا وهناك، لمعرفة ما إذا كان يمكنه أن يعيد المعادلة التي وضع نيسان 2005 حداً حاسماً لها، ولكنه، وعلى الرغم من كل العناوين التي رفعها، ومن بينها عنوان مكافحة الإرهاب الذي له جاذبية خاصة في المجتمع الدولي، مُني بالفشل، بحيث ظهر له بوضوح ما بعده وضوح أن السيادة اللبنانية خط أحمر ممنوع تجاوزه.
وثمة من يُرجح بأن الرئيس سليمان حاول، مراراً وتكراراً دفع النظام السوري الى إصدار بيان رسمي يشرح فيه تحركه العسكري على الحدود مع لبنان، ولكنه لم يوفق لأن الأسد كان يشتري الوقت لاستكمال اختباره، الى أن أخذت القضية حجماً دولياً كبيراً، بفعل التحرك اللبناني الفاعل على مستوى تعميم الهواجس هنا، وعلى مستوى تعميم الأحلام الأسدية التي كان يعود بها زوار قصر المهاجرين، الذي أوحى سيّده بأن تجارته مع الإسرائيلي تشمل المقايضة على لبنان، هناك.
ويمكن اعتبار البيان الرئاسي اللبناني الذي تضمن مواقف واضحة للأسد، بمثابة إعلان صادر عن السلطات السورية، لأنه لا يمكن لأي دولة أن تتحرك عسكرياً على حدود دولة مجاورة لها، إلا أن تصدر بياناً رسمياً يوضح ما يحصل، الأمر الذي يكرس الاعتراف المتبادل بسيادة الدولتين المتجاورتين.
وبناء عليه، وبما أن الأسد قد تراجع الى مستوى الرضوخ للضغط الرئاسي اللبناني، فهذا يفيد بأن النظام السوري تيقن من أن السيادة اللبنانية مكرسة، ولهذا السبب حاول أن يبيع نفسه للمجتمع الدولي على أساس أنه طرف ملتزم بموجبات القرار 1701 التي تفرض على سوريا أن تمنع تمرير الإرهابيين والسلاح الى لبنان عبر حدودها المشتركة في لبنان.
وبهذا المعنى، فإن البيان الصادر عن القصر الجمهوري أعاد الأمور الى أصلها، بحيث عاد الإرهاب منتج سوري على النظام منع عبوره الى لبنان عملاً بالقرار 1701 ولم يصبح، كما حاولت البروبغندا تصويره، منتجاً لبنانياً على سوريا منع عبوره اليها.