#dfp #adsense

لئلاّ ينقرض مسيحيّو الشرق كالهنود الحمر

حجم الخط

هل المسيحيون في الشرق ما زالوا مجموعة حيَّة متفاعلة تساهم في صناعة المستقبل، أم تحوَّلوا أقليَّة نادرة في متحف التاريخ… فتنطبق عليهم تسمية الكاتبة مهى نعمة «آخر الهنود الحمر»؟!

هذا السؤال يشكِّل هاجساً للكنائس ومراكز الأبحاث الكنسية، والنتائج مقلقة جدّاً. فالتراجع المسيحي في دول المنطقة يتسارع، ولا يقتصر على الحضور، بل يتعداه إلى الدور. وإذا استمرّ على هذه الوتيرة، فسيأتي يوم يصبح فيه مسيحيو الشرق مجرَّد جزء من الذاكرة، بعدما كانوا فيه شرارة الحياة.

في الإحصاءات الأخيرة، من أصل 300 مليون نسمة هم سكان دول المشرق، لم يعد هناك أكثر من عشرة ملايين مسيحي. ففي لبنان، الأرقام واضحة. وفي سوريا تراجعت نسبة المسيحيين من 25 في المئة في بداية القرن الفائت إلى ما دون الـ10 في المئة، قبل اندلاع الثورة الحالية. وهناك توقُّعات لبعض الدارسين بانخفاض النسبة إلى 2 في المئة مع انقضاء الربع الأول من القرن الحالي. أما النزف في العراق فهو كارثي. ووفق تقرير رفعته الكنيسة المحلية إلى اجتماعات البطاركة والأساقفة الكاثوليك، هناك 400 ألف مسيحي غادروا العراق إلى الولايات المتحدة، و50 ألفاً إلى كندا، و40 ألفاً إلى السويد وهولندا، وعشرات الألوف إلى الدول العربية المجاورة كسوريا (قبل الأزمة) ولبنان والأردن. وأما في فلسطين، فلم يعد هناك سوى نحو 5 آلاف مسيحي في القدس من أصل قرابة 45 ألفاً.

فهل من سبيل إلى وقف هذا التدهور، وما هي مسؤولية الكنائس المحلية والعلمانيين؟

هناك مَن يعتبر الاضمحلال التدريجي للمسيحيين في الشرق، جيلاً بعد جيل، قدَراً لا مفرَّ منه. فعوامل الزمن تحتِّم ذلك، مهما حاول أصحاب الشأن أن يستأخروه. لكن هناك قراءة أكثر تفاؤلاً وواقعية. فالمسيحيون يكونون قادرين عندما يقرِّرون ذلك، وفقاً لمقولة الراحل كمال جنبلاط: "الحياة هي انتصار للأقوياء في نفوسهم، لا للضعفاء". وأزمة بعض المسيحيين في الشرق، ولا سيما في لبنان، هي أنهم ضعفاء في نفوسهم… فمن أين يأتي الانتصار؟

بعض المشاركين في أعمال السينودس من أجل مسيحيي الشرق في خريف 2010، والسينودس من أجل لبنان في العام 1995، يعتبرون أن المعنيين بشؤون مسيحيي الشرق أنفسهم، إجمالاً، ليسوا جديرين بتحمّل هذه المسؤولية التاريخية. والفاتيكان يبدو أكثر حرصاً وأعمق وعياً على مسيحيي الشرق من هؤلاء أنفسهم. وعلى رغم الزيارتين اللتين قام بهما البابا يوحنا بولس الثاني والبابا الحالي بنديكتوس السادس عشر للبنان، فإن هناك أوساطاً مِن داخل الكنائس المحلية لا تبدو متفائلة في أن المضامين الاجتماعية والروحية والسياسية للإرشاد الرسولي من أجل لبنان، ومن أجل الشرق، ستكون فعلاً قيد التطبيق. فقد مرّت 17 عاماً على الإرشاد الرسولي "رجاء جديد للبنان"، وعامان على الإرشاد الأخير، لكن معظم التوصيات التي "يُرشِدان إليها" بقيت حبراً على ورق.

"روما من فوق"

المشاركون في السينودس أنفسهم يقولون: المسؤولون في الكرسي الرسولي يمتلكون نظرة استراتيجية، فيما المعنيون في الشرق غالباً ما يتلهّون في تفاصيلهم الصغيرة. وثمّة مَن يقول: إنّ روما "من فوق" قادرة على الرؤية حيث يتعذّر النظر إلى روما "من تحت". ولذلك، فإنّ الفاتيكان يدرك أهمية المسيحية المشرقية، مسيحية أرض الميلاد والقيامة، فيما بعض القيِّمين عليها منشغلون بالتفاصيل وعاجزون عن تحديد الخيارات.

وعلى خطى يوحنا بولس الثاني، وضع بنديكتوس السادس عشر إصبعه على الجرح المشرقي: المسيحيون يكونون حاضرين في الشرق إذا هم أرادوا ذلك، وإذا أدركوا الدور الحقيقي الذي أراده منهم التاريخ وفرضته الجغرافيا. فالتفاعل مع قضايا المجتمع يبرِّر الصمود في الأرض، والعكس صحيح. والمسيحيون يهجرون بلدانهم عندما يشعرون أنهم أصبحوا فيها غرباء عن قضاياها، وأن لا دور لهم في صناعة مستقبلها. وهذه الحقيقة تحديداً هي التي يعمل الفاتيكان لمعالجتها: تزخيم التفاعل الاجتماعي بين المسيحيين وشركائهم في هذه الأرض. وهي الفكرة التي قام عليها الإرشادان الرسوليان الخاصان بلبنان والشرق. معنى ذلك، أن ينغمس المسيحيون في قضايا المنطقة كمواطنين أصيلين، لا كجالية مستشرقة. ولذلك، حرص البابا بنديكتوس في زيارته الأخيرة للبنان على إبلاغ الجميع رسالة واضحة: الكنيسة تدعم "الربيع العربي". وفي هذا الموقف حَسَم الجدل الدائر، وأعاد تصويب البوصلة. فالكنيسة في الشرق هي كنيسة الناس لا الحكام. وهي لم تنشأ على الرمل، بل على صخرة عمرها 2000 عام. ولا يحقُّ حتى للقيِّمين على الشأن المسيحي في المشرق أن يتنازلوا عن هذا المجد الذي أعطي لهم، لأنه إرث الكنيسة جمعاء.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل