التراجيديا اللبنانية
يرجع مرجوعنا الى مشروع الدولة، وسط أحاديث لا تهدأ عن ازدهار موسم التدخّلات من كل حدب وصوب، ووسط تلميحات الى تعثُّر المصالحات وتكثيف للحشود على الحدود، ووسط مخاوف من مجهول يكاد يكون معلوماً.
وعلى أبواب الانتخابات النيابية التي بدأت التحضيرات لها على قدم وساق، وعلى أساس الدائرة – القضاء، ومن افتراض انها ستكون حجر الزاوية في لبنان آخر مختلف.
وعلى وقع تحذيرات لا تستبعد التعطيل أو التأجيل، اذا ما تراءى لفريق المتضرّرين ان النتائج في صناديق الاقتراع لن تكون لمصلحته.
ولكن، أين مشروع الدولة في هذه الورشة، في هذه الطبخة، في هذا الكوكتيل الذي يشبه كوكتيل مولوتوف؟
وكيف نبني دولة لبنانيَّة، ومؤسّسات لبنانية، وقراراً لبنانيّا، فيما تتكاثر التدخُّلات في الصغيرة والكبيرة، وفيما يزداد عدد الطبَّاخين؟
اذا كانت المصالحات ممنوعة لكي يبقى اللبنانيّون منقسمين مختلفين والأصابع على الزناد، ولأسباب محض خارجيَّة، فان المصارحات في هذا الخصوص قد تساعد على ابقاء الأبواب والطرق مفتوحة، وقد تؤدّي الى تفاهمات تمكن الاستحقاق النيابي من العبور بسلام.
وعَبْر الرابطة المارونيّة صاحبة المبادرة المقبولة من مختلف الأفرقاء، وبمعاونة أصحاب المساعي الحميدة، وفي مقدمتهم الرئيس ميشال سليمان والبطريرك صفير.
مما قد يؤسس لنوع من "الاستقلالية" ما دام الاستقلال قد تحقَّق، ولو على سبيل التمنّي.
ومما قد يساعد من تبقّى من العقلاء والحكماء على جمع حملة السيوف وبراميل البارود، واقناعهم بالعودة الى لغة العقل واسلوب الحوار، واعتماد السبل الديموقراطيَّة، مما يساعد الدولة على اعادة لملمة نفسها، واعادة تأهيلها لاستعادة دورها ومكانتها.
من تحصيل الحاصل الاعتراف ان كل شيء في لبنان مرتبط بالخارج. بـ"خارج" ما. خارج اقليمي. خارجي عربي. خارج ايراني. خارج قريب. خارج بعيد. خارج فرنسي. خارج أميركي. خارج روسي…
بـ"خارج" ما، بصورة عامة. وشاملة. ودائمة.
حين تقول لبنان يحضر طيف الخارج فوراً. وتحضر انتماءات الشعوب اللبنانية الى هذا الخارج، ولو على حساب البلد الصغير، بل الثماني عشرة طائفة، والوطن الرسالة الذي لم يصبح يوما وطناً، ولم يتمكّن يوماً من ان يكون في حجم هذه الرسالة.
ولأن "اليّم" الخارجي يحاول ابتلاع هذه السمكة الصغيرة، ولا يزال يحاول منذ سنين وسنين، ستكون لنا عودة الى التراجيديا اللبنانية ودور الخارج والخوارج.