"تشرين"
لفت نظري قبل أيام معدودة، يا إخوان، تعليق لصحيفة "تشرين" السورية ينضح بشحنة من المعلومات الخاصة الموثقة والمعروضة بموضوعية تُحسد عليها الصحيفة، بل في واقع الحال، يُحسد عليها كل الإعلام الرسمي في دمشق البعث.
الصحيفة تحدثت عن فشل الوفد الرباعي لقوى 14 آذار الذي زار باريس قبل أيام، في عقد لقاء مع الرئيس ساركوزي على عكس ما كان يحصل أيام الرئيس شيراك… حاولت أن أتذكر متى استقبل الرئيس الفرنسي السابق وفداً غير رئاسي أو غير حكومي لبناني (ما عدا سعد الحريري ووليد جنبلاط وسمير جعجع) فلم أفلح، لكن يبدو أن "تشرين" تعرف أكثر في هذا الشأن وتعرف أكثر وتحديداً عن كيفية تداول السلطة في النظم الديموقراطية بحيث أنها ختمت تعليقها بالإشارة الى أن "زمن شيراك ولّى" و"أن أزمنة أخرى ستلقى نفس المصير"… كذا.
طبعاً التعليق يستأهل قراءة معمقة في مكان آخر، ليس بسبب "ندرة" معلوماته و"دقتها" فقط، بل أيضاً بسبب هذه الجملة المنقولة حرفياً والموضوعة بتصرف بعض حلفاء النظام السوري في لبنان قبل غيرهم. تقول "إن ما سمعه الرباعي (وفد 14 آذار) من كوشنير هو أن سورية التزمت تنفيذ كل ما وعدت به وإن شيئاً جديداً قد حصل علي الساحة هو تنامي الحركات الإرهابية في لبنان وفي طرابلس والشمال تحديداً، وهذا الأمر لا يهدد أمن سورية وإنما أمن المنطقة وصولاً الى أوروبا".
…"تنامي الحركات الإرهابية في لبنان" يا إخوان.
كنا سابقاً، نضرب أخماساً بأسداس لمعرفة أين هي مصانع الإرهاب الأصولي الوصولي، العالمي، الاقليمي المحلي الضيعوي التي تحدثت عنها دمشق في طرابلس والشمال، وأين هي معسكرات السلفيين الذين يهددون أمن الشقيقة المربوط بأمن الكرة الأرضية في تلك القرى الشمالية النائمة في حضن التعتير والشحار فإذ بنا الآن وبأمر من النظام السوري نوسّع بيكار البحث والبحش والتفتيش والتنقيب ليغطي مساحة جغرافيا الوطن اللبناني، الذي حولته تلك الصحيفة الرسمية الحكومية التي يصدر كل حرف فيها بأمر مُنَزَّل، حولته كله الى مرتع للإرهاب العالمي، أين منها مراتع بن لادن في تورا بورا الأفغانية، وصار يهدد (انتبهوا) "أمن سورية والمنطقة وأوروبا"!
طبعاً، صرنا كلنا، في لبنان كله وليس فقط في الشمال، خارج ذلك النسيج الأممي، الحريصة سورية البعث عليه منا نحن أهل الإرهاب الأصولي، السلفي، التكفيري، التدميري. لكن كان أفضل بكثير لو أتحفتنا "تشرين" بتحديد أكثر دقة للحركات الإرهابية المقصودة، يعني كانت وفّرت علينا التعليق والإشارة ولفت النظر والتحليل والتعليل ولكانت حينها طرحت البضاعة التي تعرضها في السوق كما هي، من دون زركشات لا طعم لها…
لم يُفاجأ ابن امرأة واحد، من 14 آذار، على ما أعتقد وأظن وأفترض يا إخوان بالكلام الرسمي السوري. لا ذلك الآتي من أعلى الهرم ولا الآتي من كعب الإعلام البعثي، الطاعن في لبنان واللبنانيين والمستبيح كراماتهم وأرضهم وأرواحهم، طارحاً إياها، بكلام علني واضح لا لبس فيه، في البازار المفضوح والمفتوح، بيعاً وشراء… فالفيلم نفسه مستمر منذ سنوات طويلة، لكن آن أوان باقي خلق الله، من أهل هذا البلد لأن يشاهدوه كما هو، من دون نكات العلاقات المميزة وتلازم المسارين والمصير وخط الممانعة والصمود، وما الى ذلك من فكاهة مرَّة وسوداء.
أما عن لقاء وفد 14 آذار مع ساركوزي (غير المطلوب أصلاً) فإن الأمر، في أضعف الحالات، يمكن وضعه في سياق واحد، مع عدم استقبال حاكم الامبراطورية الروسية القيصر فلاديمير بوتين، للرئيس السوري عندما زار موسكو في آب الماضي بعد الهجوم على جورجيا، هل تتذكر "تشرين" ذلك، أم أن موضوعيتها ومهنيتها وحرفيتها تفرض عليها أصلاً، عدم التطرق الى الموضوع… هَزُلَتْ؟!