لأن سوريا لا تثق برئيس عتيد كما كانت تثق بلحود
الإصرار على “الثلث المعطل” هو البديل في أي حكومة
الإصرار على “الثلث المعطل” هو البديل في أي حكومة
اميل خوري
تساءل مرجع ديني امام بعض زواره لماذا لم يكن الاتفاق على تشكيل الحكومة زمن الوصاية السورية شرطاً لانتخاب رئيس للجمهورية حتى اصبح الآن شرطاً بعد انتهاء الوصاية؟ ولماذا بات حصول حلفاء سوريا في لبنان على “الثلث المعطل” شرطاً لتأليف الحكومة، ولم يكن هذا الشرط وارداً عندتأليف الحكومات خلال عهدي الرئيسين الهراوي ولحود، لا بل ان وزراء كان يتم تعيينهم ولم يكن للرئيس الهراوي معرفة ببعضهم، وهو ما اسرّ به لأحد اصدقائه؟ هل لأن النظام السوري كان يثق بهما اكثر مما يثق بالعماد ميشال سليمان اذا ما انتخب رئيساً للجمهورية، رغم علاقة هذا النظام الجيدة به وتقدير مواقفه؟
يجيب نواب في قوى 14 آذار على هذا التساؤل بالقول ان الوجود العسكري السوري في لبنان كان يشكل ضماناً وشعوراً بالطمأنينة لحلفاء سوريا ولاسيما لـ”حزب الله”، بحيث لم يكن تشكيل الحكومات يثير اهتمامهم كما يثيره اليوم، لأن النظام السوري كان هو الذي يتولى تشكيلها وكان حلفاء سوريا في لبنان مطمئنين الى اوضاعهم السياسية والى مصالحهم الانتخابية ويحصلون على الخدمات التي يريدون، ولم يكن موضوع سلاح “حزب الله” مطروحاً للبحث بل كان وجوده مقبولا من الجميع كونه يشكل وسيلة فعالة لتحرير الاراضي اللبنانية من الاحتلال الاسرائيلي، خلافاً لما بات عليه الموقف منه اليوم بعد المطالبة بجعل هذا السلاح جزءا من سلاح الجيش واخضاع استخدامه لقرار السلطة السياسية وقيادة المؤسسة العسكرية.
لقد كان للنظام السوري ثقة بالرئيس الهراوي وكانت ثقته اقوى بالرئيس اميل لحود الذي حرص على التنسيق معه قبل اقدامه على اي خطوة مهمة، لا بل كان على اتصال اسبوعي دائم بالرئيس الاسد للتشاور في ما يجب عمله حيال قضايا محلية واقليمية ودولية، وقد اختبر هذا النظام سلوك الرئيس لحود عندما كان لا يزال قائدا للجيش فاطمأن اليه ودعم ترشيحه للرئاسة الاولى، وحَمَلَ الاكثرية النيابية آنذاك، التي كانت اكثرية طيعة كونها موالية لسوريا، على تعديل المادة 49 من الدستور بدون عوائق ولا جدل، ثم قررت تمديد ولايته ثلاث سنوات لأنها لم تجد يومئذ مثيله بين جميع المرشحين للرئاسة الاولى، من تطمئن اليه وتثق به لمواجهة القرار 1559 ورفض تنفيذه، حرصاً على بقاء القوات السورية في لبنان الى اجل غير معروف، خلافاً لمضمون هذا القرار ولما نص عليه اتفاق الطائف.
وكان في نية النظام السوري التمديد مرة اخرى للرئيس لحود او خلق الظروف التي تجعله يستمر في سدة الرئاسة ولو مع استمرار حكومة الرئيس السنيورة، ريثما تجد الشخص الذي يخلفه ويكون على صورته ومثاله، الا انه لم يكن في الامكان التمديد له مرة اخرى، لوجود اكثرية نيابية رافضة ذلك بشدة مهما تكن الظروف، ولا جعله يستمر في منصبه بحجة تعذر الاتفاق على انتخاب رئيس للجمهورية خلفا له، فكان ان اختارت سوريا الفراغ الرئاسي بديلا من انتخاب رئيس ولاوءه لها غير مضمون، وصداقته غير كافية للثقة به، وهي الساعية بشتى الوسائل الى ابدال وجودها العسكري في لبنان بوجودها السياسي، وهذا لا يتأمن الا من خلال انتخاب رئيس للجمهورية تثق به ثقتها بالرئيس لحود، او يكون لحلفائها في لبنان “الثلث المعطل” في اي حكومة يتم تشكيلها. وقد توصلت سوريا الى ايجاد هذا “الثلث” من خلال قيام مثلث: نصرالله – بري – عون، بحيث تصبح قادرة من خلاله على التحكم بالقرارات المهمة وتقييد رئيس الجمهورية كلما بدا لها انه يسلك طريقا غير طريقها، فتخيره عندئذ بين تصحيح مساره او مواجهة ازمة وزارية مستعصية بتفجير الحكومة من الداخل ساعة تشاء، وذلك باستقالة وزراء هذا “الثلث”.
لذلك، فان اصرار المعارضة، ولا سيما حلفاء سوريا، على ان يكون لها في اي حكومة “الثلث المعطل” ليس تسهيلا لمهمة الرئيس العتيد كما تدّعي، انما لجعل هذا “الثلث” حصان طروادة وصاعقا تهدد بتفجير الحكومة به، بغية “تطويع رئيس الجمهورية اذا ما خرج عن الخط المرسوم له”.
ولا تكتفي هذه المعارضة بوعد يقطع لها بتشكيل حكومة وحدة وطنية بعد انتخاب رئيس الجمهورية، ولا حتى ان يكون لها فيها “الثلث المعطل” بل تريد ان تتأكد قبل مباشرة تشكيلها من القبول بالوزراء الذين تسميهم في الحكومة ومعرفة الحقائب التي ستسند اليهم، والاتفاق على اسماء قادة الاجهزة الامنية والعسكرية، والموافقة على اعتماد القضاء دائرة انتخابية بحيث يستبعد البحث في اي مشروع آخر لقانون الانتخاب بما فيه المشروع الذي وضعته الهيئة الوطنية برئاسة فؤاد بطرس، وعندما يتحقق للمعارضة ما تريده فلا يعود يهم عندئذ حتى من يكون رئيسا للجمهورية لأن مقاليد الحكم لا تعود في يده، بل في يد الحكومة، لا بل في يد “الثلث المعطل” الذي يديره مثلث: نصرالله – بري – عون، ولا يبقى لرئيس الجمهورية دور سوى التوقيع على ما يصدر عن هذه الحكومة المفخخة، واذا لم يفعل، فانه يواجه ما واجهه الرئيس لحود في السنة الاخير من ولايته الممددة، اي استقالة وزراء “الثلث المعطل” بحيث يصبح متعذراً تشكيل حكومة جديدة اذا ما قرر مثلث: نصرالله – بري – عون عدم المشاركة فيها الا بشروطه…
هذه هي الخطة السورية التي تنفذها المعارضة وحلفاؤها في لبنان، وهي تخير الاكثرية، وتحديدا قوى 14 آذار، بين القبول باتفاق مسبق على سلة المطالب التي باتت معروفة وقد كشف وزير الخارجية السورية وليد المعلم مضمونها ولم تعد سرا، وهي في جيب العماد عون، كي يتم تعديل الدستور وانتخاب العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية، او الاستمرار في الفراغ الى اجل غير معروف. وهي، اي المعارضة، ترفض اجراء التعديل والانتخاب قبل الاتفاق مسبقاً على هذه المطالب، لئلا يتوصل العماد سليمان بعد انتخابه رئيسا للجمهورية الى تشكيل حكومة بالاتفاق مع الرئيس المكلف، بحيث يؤدي تشكيلها الى تغيير التحالفات القائمة والى خلط للأوراق، فيمسك عندئذ بزمام الامور، وتستعيد الرئاسة الاولى دورها بعدما كان مهمشا، وتخرج من دائرة الضغط والابتزاز اللذين يمارسهما عليها “الثلث المعطل” بغية ترويضها وتطويعها واخضاعها.