#adsense

زاوية الانتقام والاندثار

حجم الخط

الضربة التي تلقتها أنقرة بالأمس من آلة الأسد العسكرية وأودت بخمسة من مواطنيها، بعد تلك التي أسقطت طائرتها وأودت باثنين من طيّاريها قصداً كما تكشّف من الوثائق المسرّبة، تقدّم خلاصة بقدر ما تطرح أسئلة.

الخلاصة تفيد بأنّ الاعتداء على تركيا، كما الاعتداءات المتكرّرة على المناطق الحدودية اللبنانية، وتلك المتقطعة على المناطق الحدودية الأردنية، كما العمل لإشاعة فلتان أمني في الدول المجاورة الثلاث، وربما السعي إلى شيء مماثل في دول اقليمية أبعد جغرافياً، ذلك كله إنّما يدلّ على حالة يأس وإقفال تام وصلت إليها سلطة الأسد وغرفة القرار في آلته المركزية، ولم يعد هناك بالتالي إلاّ اعتماد النص البدائي القائل بالانتقام والتخريب.

في حسبة الأفراد، قد يكون ذلك النصّ تعويضاً عن ظلم لا رادّ له، أو تنفيذاً لطقوس آتية من مخزون وتراث قديم وعام وشائع يستسقي الدم بالدم.. إنّما في حسبة الدول وصنّاع قرارها، حتى في أحرج أوقاتها وأكثرها توتراً وعنفاً، لا يكون ذلك سوى دلالة إلى وصول أصحاب الشأن حسابياً، إلى زاوية لا منفذ لها ومنها وبعدها.

.. زاوية الأسد وحاشيته أوضح من أن تخفيها ماكينته الإعلامية والسياسية. وأفصح من أن تغطّيها ممارسات كئيبة تشي بأنّ أمور الدولة على عادياتها. من قبيل اجتماع "مجلس الشعب" الموقر في دمشق، ليستمع إلى بيان "رئيس الحكومة"! وإلى شروحاته المستفيضة عن حال الكهرباء والمواصلات والعام الدراسي والوضع الاقتصادي والنقدي، وإلى "أرقامه" الفخمة الدالّة بدورها إلى استمرار عجلة الإدارات والإحصاءات والدراسات دوّارة من دون أي بحصة تحتها!

.. زاوية الأسد وحاشيته مُسنّنة وحادّة وعصيّة على التدوير والتحوير. وممارسات تصدير الإجرام وإشاعة القتل والإرهاب صارت هذه الأيام عدّة رحيل وشغل عصابات، وليست كما كانت سابقاً عدّة بقاء وتركيز نفوذ وأقدام وسلطات وشغل سياسة.. والحال أنّ كثيرين في هذه الدنيا، ما ظنّوا يوماً أنّ عند سلطة الاسد في عزّ نفوذها وسيطرتها، من مقومات القوّة والاستمرار، سوى الإرهاب وعدم تهيب القتل في كل أشكاله وأصنافه ومراتبه واعداده، فكيف الحال اليوم وهي في عزّ أفولها واندثارها؟

وإذا كان بعض اليقين يقول إنّ استدراج الفتنة في لبنان، أو إشاعة التخريب في الأردن، أو ارباك القيادة التركية بإرهاب "حزب العمال الكردستاني" أو الاستفزاز الناري المباشر، هو سياق آتٍ من حساب سياسي، فإنّ ذلك بدوره يدلّ أكثر من طقوس اليأس، إلى خلل مميت في عقل أصحابه، نتيجته لا تختلف عن سابقتها.

ربما، في بداية أيام الثورة، كان الافتراض ممكناً بأنّ إشاعة التخريب والفتن في الخارج أو استدراج توتر حدودي مع إسرائيل، هو طريق لا بدّ منه لتخفيف الضغط في الداخل وتعطيل حسابات الجميع وإرباكهم وقلب الطاولة بطريقة تهدّد بالفوضى التامة، لكن بعد أكثر من عام ونصف العام على "تجربة" كل شيء، فإنّ الاستمرار في ذلك الرهان صار حُكماً، دلالة إلى خلل عقلي صافٍ.. مأساة شعب سوريا وجيرانهم أنّ أكلاف ذلك تُدفع بالدم، وأنّ بعض الخارج يكتفي بتقديم جرعات علاجيّة متقطعة لحالة عصيّة على العلاج!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل