اللبنانيون يتحدّون الموت وأزمات يفتعلها السياسيون
بيار عطاالله
ذكر مغتربون لبنانيون عادوا لقضاء عطل اعياد الاضحى والميلاد ورأس السنة في لبنان، ان ثمن بطاقة السفر من احدى دول الخليج الى بيروت ذهابا وايابا بلغ الف دولار اميركي واكثر، وان عددا لا بأس به من المغتربين في الخليج اختار الوصول مداورة الى بيروت بواسطة شركات طيران مختلفة. ونقل زوار من دبي ان 14 طائرة تقلع يوميا منذ ما قبل عيد الاضحى، من مطار الامارة الدولي الى “مطار رفيق الحريري الدولي” وهي تغص بالركاب. ويؤكد هذه الاخبار ويثبتها حقيقة مشهد حشود الواصلين الى مطار بيروت وكثافة مستقبليهم من كل الفئات والمناطق اللبنانية الذين ينتظرون احباءهم بالورد والقبل والعناق والبكاء. كيف لا وغالبيتهم قررت المجيء الى لبنان رغم كل المحاذير والتهديدات والفراغ؟
وقال احدهم، انه قرر قضاء الاعياد في لبنان: “نكاية بكل الذين يريدون تدميره وتخريبه وحرمان اهله الفرح والبهجة في الاعياد اسوة بشعوب الارض”، واضاف انه يريد انفاق ماله “هنا وليس في اي مكان اخر” تعبيرا عن تضامنه مع وطنه و”مساندة للشعب الذي يعاني الازمات نتيجة لا مبالاة اهل السياسة ونزقهم ونزوعهم الدائم الى تعذيب مواطنيهم واستدراج العثرات لهم”.
واذا احتسب المرء عدد الطائرات الواصلة من دبي وحدها يستنتج، ان ثمة آلافاً من المغتربين العائدين لقضاء عطلة الاعياد اضافة الى آلاف غيرهم من انحاء الخليج واوستراليا البعيدة التي شاهد اللبنانيون وفدا من المغتربين اليها يتحدثون في قاعة الوصول وعبر شاشة التلفزيون عن فرحتهم بقضاء الاعياد مع اهلهم في لبنان. وفي لغة الارقام يعني ذلك امرا واحدا هو تحريك عجلة الاقتصاد ودفعها قسرا ورغما عن ارادة السياسيين الى الدوران من خلال العملات الاجنبية التي يضخها هؤلاء العائدون في الاسواق وعلى اهلهم واحبائهم. وفي قطاع ايجار السيارات مثلا اصبح العثور على سيارة امرا صعبا جدا بعدما استحوذ العائدون لقضاء العطلة على كل ما يتوافر من سيارات سياحية. وهذا ما جرى ايضا في قطاع سيارات التاكسي اذ تزدحم جداول المكاتب العاملة بالطلبات المتراكمة، ويسعى اصحاب هذه المكاتب الى تلبية ما يستطيعون نتيجة ارتفاع الطلب.
واينما ذهب المرء في بيروت صادفته زحمة سير خانقة تسد جميع المداخل والطرق، والرحلة من جونية الى بيروت والتي تستغرق 10 الى 15 دقيقة في الاحوال العادية يحتاج المرء الى اكثر من ساعة لاجتيازها بسبب زحمة السير الخانقة التي يتسبب بها الدخول الى احد المخازن التجارية الضخمة في منطقة نهر الموت، حيث تصطف السيارات طوابير طويلة في انتظار التفتيش قبل دخولها المرآب المخصص للسيارات. اما في الاشرفية فمشكلة الازدحام امام احد المخازن الرئيسية قرب ساحة ساسين تتسبب في زحمة خانقة تعطل حركة السير في كل انحاء الاشرفية وما يتصل بها جنوبا مثل منطقة العدلية – اوتيل ديو، وشرقا في اتجاه كرم الزيتون وغربا في اتجاه جادة فؤاد شهاب وما يتفرع منها. وما يصح على الاشرفية ينطبق على مناطق بعبدا وفرن الشباك والضبية والجديدة وانطلياس وكل المناطق التي تجتمع فيها محال ومخازن ألبسة ومتاجر للهدايا والمجوهرات والمأكولات والحلويات.
حشود لا تنتهي من المواطنين تجوب الشوارع في سياراتها او سيرا على الاقدام، وهي المرة الاولى منذ مدة طويلة تتحرك فيها هذه الجموع بعيدا من التظاهرات الشعبية او للسير في مواكب تشييع الشهداء ومسيرات الاحتجاج على من يسقطون ضحايا الاغتيالات. فيتجمع المواطنون في ساحة ساسين الشهيرة في الاشرفية لرؤية مشهد الميلاد الذي اقامته “جمعية تجار الاشرفية” ووضعت فيها نماذج كبيرة تمثل مذود السيد المسيح والمجوس والرعيان، والى قطيع من الاغنام بأحجام شبه حقيقية ألبست جلد الصوف. هذا في ما ارتفعت زينة مختلفة في ارجاء الساحة الواسعة التي يقف عند اطرافها جنود من الجيش وافراد قوى الامن الداخلي في ظل صورة ضخمة لقائد الجيش العماد ميشال سليمان رفعت على الجدار الذي ترتفع عليه كل سنة صور الرئيس المنتخب بشير الجميل والشهيد جبران تويني ولوحة العذراء الشهيرة المكتوب عليها “امنا بتلمنا”.
المراكز التجارية الضخمة في الاشرفية اختزلت كل مظاهر العيد، حيث تعزف الموسيقى على مدار الساعة وينتشر المهرجون وعازفو الالات الموسيقية في ارجاء المخازن وهم يعزفون الحانهم او ينقرون على طبلاتهم بالحان موسيقى عسكرية وميلادية.
وفي ساحل المتن الذي ضربته الانفجارات مرارا، زحمة سير تمتد من الجديدة الى الزلقا وجل الديب فانطلياس، والاهالي والتجار والباعة جميعهم فرحون بالعيد لكن الحذر لا يفارق اعينهم، وهم لا يترددون في التدقيق في من يوقف السيارات امام محالهم. اما داخل المخازن التجارية الكبرى في نهر الموت فالامن الخاص يراقب الداخلين جميعا، الى اضخم المجمعات واكثرها استقطابا، حيث يظهر وجه اخر للعيد يمتزج فيه التراث وباعة الحرفيات واللوحات والمأكولات اضافة الى عازفين اتقنوا الجمع بين الاكورديون والطبلة لعزف الحان الميلاد. واستنادا الى المسؤولين عن المخازن الكبرى هناك فقد ارتفعت حركة المبيعات بنسبة كبيرة مقارنة بايام ما قبل الاعياد، ولكن رغم ذلك كان ممكنا ان تكون افضل من ذلك بكثير لو كانت الاحوال السياسية والامنية على ما يرام.
المفارقة وسط كل هذه الجموع المحتشدة هي اجتماع كل اطياف الفئات اللبنانية دون استثناء، فالحاسرة الرأس المرتدية ثيابا جريئة تسير الى جنب الفتاة التي ترتدي حجابا سواء ولا احد يسأل عن هوية الاخر ولا انتمائه او يهتم، ويبدو ان الجميع فرحون بالاعياد أياً تكن، انهم اللبنانيون يتحدون الموت الزاحف عليهم والازمات التي يفتعلها السياسيون.