وفي جمعة الأمس أعاد السوريون الأحرار الاعتبار إلى منطق الإحراج السليم. ورذلوا مطوّلات الشعر ومطالعات التأييد النازلة فوق رؤوسهم أكثر من قذائف وصواريخ ورصاص سلطة الأسد، وهتفوا: نريد سلاحاً لا تصريحات.
والحال (مجدداً)، أن أحرار سوريا كشفوا ويكشفون في حراكهم الهادر حقيقتين كبيرتين، الأولى، أن الاستمرارية في ثورتهم غير مسبوقة، لا في العالم العربي ولا في أوروبا ولا في أميركا الجنوبية ولا في جنوب شرق آسيا ولا في أفريقيا. والثانية، أن ثورتهم لم تضرب في أسس نظامهم القطري وحده وإنما أيضاً في امتدادات ذلك النظام إقليمياً. وفي جذر منطلقاته السياسية والفكرية، وأحالها أو يكاد إلى حقيقتها النفاقية التامة.
لا توجد حالة راهنية مماثلة للثورة السورية… كانت هناك في ظل الحرب الباردة امتدادات كيانية ووطنية لتلك الحرب تمظهرت من خلال المواجهة المسلحة لسلطة مركزية شرسة ومدجّجة حتى أسنانها (مثل كوبا). وكانت هناك مقاومات لاحتلال أجنبي مباشر (مثل فيتنام). وكانت هناك حركات احتجاجية شاملة وصلت إلى مبتغاها لكن من دون أن تطلق السلطة المضادة قذيفة واحدة باتجاهها (مثل بولندا) رغم أن حركة "التضامن" البولندية قطعت بانتصارها أول حبل من الحبال الرابطة لبرداية "الاشتراكية العظمى" من أولها إلى آخرها!
في العالم العربي أيضاً، لا توجد، لا في الماضي ولا في الحاضر، حالة مماثلة للحالة السورية.. صدّام حسين بعد حرب الخليج الثانية اعتمد ما يعتمده الأسد الابن اليوم لكنه تمكن بسرعة من القضاء على ثورة الأطراف ضدّه، شمالاً وجنوباً. في حين أن أنظمة "الاعتدال" كانت على قدر من الحياء إلى حدّ أنه أطاح بها إلى الأبد.. حتى علي عبدالله صالح لم تصل عنده وقاحة القتل إلى الحدّ الذي وصلت إليه سلطة الأسد. وفي الخلاصة، لا توجد ثورة شعبية على هذا المستوى من الدأب والصمود والتحدي مثل الثورة السورية. ولا يوجد في المقابل مثيل (بشري) للفتك الذي يعتمده نظام الطاغية في دمشق.
لكن مثلما فعلت حركة "التضامن" البولندية بمعسكر الاشتراكية، تفعل حركة الثورة السورية بمعسكر الممانعة. الأولى تحدّت وأسقطت نظاماً محلياً لكنها خلخلت كل الأسس الفكرية والسياسية والاقتصادية للمنظومة التي كان جزءاً منها: لم يكن القمع والطغيان رأسمالياً والحرية اشتراكية بل بدا العكس تماماً. ولم يكن معطى حقوق الإنسان يسارياً ونفيها يمينياً بل بدا العكس تماماً.. اليوم تظهر ثورة السوريين أن اللغو بالممانعة والمقاومة لا يطمس حقائق الاصطفافات السلطوية والمذهبية. وأن التصدي لتحديات الاعتداء الخارجي والاحتلال الأجنبي وشروط التنمية وبناء الدول المؤسساتية الحديثة هو الضدّ تماماً من أنظمة الممانعة والمناتعة القائمة، وليس العكس: أنظمة المافيات تتاجر ولا تقاتل. وتقتل ولا تحرر. وتجوّع ولا تُطعم. وتهيمن ولا تشارك. وتسرق ولا تعطي. وتدمّر ولا تبني. وتقمع ولا تحرر.. ولا تكسر الاحتكارات إلاّ لتحتكرها هي!
لذلك كله ولغيره الكثير، تبقى الثورة السورية فريدة عصرها وبانية لعصور آتية. ولأنها كذلك بالمعنيين التكتيكي والاستراتيجي فهي تحتاج إلى المدَدَ التسليحي أكثر بكثير من برقيات الدعم وتصريحات التأييد ومؤتمرات المساندة اللفظية!