… "استشهد وهو يؤدي واجبه الجهادي":….
مثل هذا التأبين، سمعناه يتردد كثيرا في هذه الأيام، في وسائل الإعلام وفي مراسم الدفن والتعازي.
وقد بات يهمنا، لكثرة استعمال هذا التوصيف، أن نتوقف أمام تعبيرين وأمام مدلولهما اللغوي والديني والوطني، فالشهيد مصنف شرعا في أعلى المراتب ومثواه الجنة حكما، على أن يكون قد استشهد في سبيل الله، وفي سبيل قضية سامية، ولتحقيق مصلحة الامة والمجتمع، وإلا لما كان شهيدا، والجهاديون الذين نشأت تسميتهم من ما ورد عن الجهاد والمجاهدين في القرآن الكريم، وفي السنة النبوية، وفي ملاحم الإشادات التي أحاطت بهم من أقوال علمائنا وكتابنا وأدبائنا وإعلاميينا، بـل ومـن أقوال الناس عموما على اختلاف ثقافاتهم ومستوياتهم الفكرية والإجتماعية.
لقد لعب المجاهدون دورا كبيرا في تاريخ أمتهم، وكانت لهم اليد الطولى في ترسيخ مواقعها وبطولاتها وأمجادها، وانتشرت هذه التسمية التوصيفية خاصة في الحرب النكبوية التي خاضها العرب في فلسطين وفي الدفاع عن القدس والمسجد الأقصى، حيث كان المجاهدون ذراع الخير والبطولة في مجرياتها المأساوية، وكان زعماؤهم، يد الشر التي تلطخت بالخيانة والعمالة والتواطؤ، فضاعت فلسطين وتبعثر أبناؤها لاجئين في كل حدب وصوب.
وفي هذه الأيام، يطاول آذاننا توصيف الجهادي، ويراوح هذا التوصيف بدءا من معانيه الساميه التي مارسها أجدادنا في صناعة تاريخ هذه الأمة، وصولا إلى جهادية عمياء، فهمت معناها معاكسا لأصالته ونبله ورسالته العلية، فإذا بها لا تفهم فيه الاّ هدر الأرواح والدماء وتقتيل الأبرياء، وتفشت مفاهيمها في الأوساط الجاهلـة عن سبق اصطناع واختلاق وتصور وتصميم، حتى شوهت أقوالها وأعمالها، مضامين الدين الإسلامي الحنيف، نصوصا وروحا وتفسيرات.
أما ذلك الذي أعلن عنه مستشهدا وهو يؤدي واجبه الجهادي، فقد تبين أنه قد توفي "مجاهدا" في حمص، في بلد عربي إسلامي عرف بعروبته الأصيلة وإسلاميته المعتدلة، ومراسه الوطنـي والحضاري وجهاده في سبيل استعادة حريته وكرامته ومعروف في تاريخ الشعب السوري العريق، أنه بغالبيته الإسلامية الساحقة، أوصل إلى سدة رئاسة الوزراء، الرئيس فارس الخوري الذي لم يكتف بهذا المنصب الرفيع، بل سعى إلى تعيين نفسه وزيرا للأوقاف، فكان خير رئيس وخير وزير، وكان الشعب السوري، خير منصف له في الحكم على نجاحه وترفعه عن كل تقوقع بغيض، فوضعه في المواقع الوطنية والمعنوية العليا التي استحقها بجداره، في الوقت نفسه الذي استحق فيه الشعب السوري صفة التعامل الوطني المتلاحم، بشرائحه الوطنية على اختلاف جهاتها وفئاتها.
الجهاديون في سوريا أبلوا بلاء حسنا في معاركهم في سبيل الإستقلال، ضد الإستعمار الفرنسي، حيث خاضوا حروبا ومعارك، تشرفوا ببطولاتها وبألقاب المجاهدين التي وصفوا بها وتبوأوا مراكزها ومواقعها السامية وكل من ناضل منهم ومن سواهم في البلاد العربية وبينها لبنان، ضد اسرائيل، سابقا، وفي سنوات الإحتلال والطغيان الإسرائيلي، لاحقا، حازوا على نفس التوصيف الجهادي، بكل مقاماته الرفيعة.
وإذا كان بيننا اليوم، من يتوسعون في إطلاق تسمية المجاهد، على من يستحقها، وعلى من لا يستحق، كيف لنا أن نعتبر مجاهدا، ذلك الذي يقتل في سوريا الشقيقة، وهو يحارب الشعب السوري، ويساند نظاما قتل ويقتل وما يزال، ما معدله مايتي شهيد فعلي وحقيقي يوميا، خاصة أولئك النسوة والأطفال وكبار السن الذين يقضون ظلما وعدوانا بوحشية لا مثيل لها في التاريخ الحديث.
من يقاتل إلى جانب هؤلاء ويساندهم… أهو مجاهد شهيد إن قتل في معركة المظلومين ضد الظالم، أهو شهيد ومجاهد، والشهادة والجهاد لا يمكن أن تتواجد في مواقع القتل والإجرام، بنيران الطائرات والدبابات والصواريخ.
في سبيل الله والقضية والحرية والعدالة والمساواة وسواها من القيم، يكون الإستشهاد والجهاد، ولن نقتنع إطلاقا بوجود استشهاد وجهاد معاكس آخر، ولهؤلاء الذين يكافحون اليوم كل ظالم وقاتل أثيم، فيجاهدون ويستشهدون، لهم رضوان الله وجنات الخلود، ولهم تقدير بلادهم وشعوبهم وأحرار الأرض قاطبة.