لبنان يواجه احتمال استمرار الأزمات التي عرفها سابقاً
هل يستمرّ حكم الأقلية للأكثرية بعد الانتخابات المقبلة؟
إذا كان انتخاب رئيس للجمهورية لم يشكل حلاً جذرياً للأزمة اللبنانية، بل وضعها على طريق الحل، واذا كان تشكيل حكومة وحدة وطنية، هو حلاً موقتاً لمرحلة انتقالية، فهل تكون نتائج الانتخابات النيابية المقبلة هي بداية الحل وذلك بالعودة الى ممارسة النظام الديموقراطي ممارسة صحيحة لا تشوبها شائبة، وذلك على غرار ما كانت عليه هذه الممارسة الاربعينات الى السبعينات بحيث كانت الاكثرية الفائزة في الانتخابات هي التي تحكم والاقلية تعارض؟
هذا السؤال يطرح منذ الآن في اوساط رسمية وسياسية لبنانية وعربية ودولية.
ان ما يجب الاتفاق عليه بين الزعماء اللبنانيين على اختلاف اتجاهاتهم ومشاربهم ومذاهبهم سواء على طاولة الحوار او خارج هذه الطاولة هو الآتي:
اولا: ان الاحزاب والتيارات التي تفوز باكثرية عدد المقاعد النيابية في الانتخابات النيابية المقبلة هي التي تسمي الرئيس الذي يكلف تشكيل الحكومة، وهذا الرئيس المكلف هو الذي، بالاتفاق مع رئيس الجمهورية، يتولى تشكيل الحكومة سواء من هذه الاكثرية او منها ومن احزاب وتيارات اخرى تتألف منها الاقلية اذا صار اتفاق على برنامج عمل الحكومة وعلى اسماء الوزراء الذين يمثلون هذه الاحزاب والتيارات وعلى الحقائب التي تسند الى كل وزير، لانه اذا ظلت الاقلية هي التي تتحكم بالاكثرية كما حصل خلال السنوات الثلاث الاخيرة، وتصر على المشاركة في اي حكومة يتم تشكيلها كي لا تستأثر الاكثرية باتخاذ القرارات، بحجة ان الديموقراطية التي تصلح لتركيبة لبنان الدقيقة السياسية والمذهبية هي "الديموقراطية التوافقية" وليست "الديموقراطية العددية"، فان لبنان سوف يظل يتعرض لازمات كلما واجه استحقاقات لانتخابات رئيس للجمهورية، او لتشكيل حكومة جديدة.
لذلك ينبغي بت الخلاف حول موضوع اعتماد "الديموقراطية العددية" التي تقضي بان تحكم الاكثرية وان تعارض الاقلية، او اعتماد "الديموقراطية التوافقية" التي تفرض عند تشكيل اي حكومة تمثيل الاكثرية والاقلية فيها.
ثانيا: ان يصير اتفاق على اعتبار الحكومة التي يستقيل منها وزراء اي مذهب ويتعذر تعيين بدلاء منهم، مستقيلة برمتها، واذا استمرت فانها تستمر لتصريف الاعمال فقط الى ان يتم التوصل الى اتفاق على تشكيل حكومة جديدة، والا اعتبرت الحكومة التي تفقد تمثيل اي مذهب فيها، حكومة غير شرعية وغير ميثاقية او يصير اتفاق على ان الحكومة تظل تعتبر شرعية وميثاقية حتى وإن استقال منها وزراء اي مذهب، لان الاستقالة هي حق دستوري وديموقراطي لكل وزير يرى ان مواقف الاكثرية في مجلس الوزراء لم تعد تنسجم مع مواقفه.
اما القول بان لا شرعية لاي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك كما جاء في الفقرة "ي" من مقدمة الدستور، فمقصود به ان لا تشكل حكومة لا تمثل فيها كل المذاهب وفقا للاصول ولحصة كل منها. اما بعد تشكيلها فيصبح من حق كل وزير او وزراء يمثلون مذهبا ان يستقيلوا، واذا حالت ظروف موضوعية دون تعيين بدلاء منهم، ينبغي ان لا تعتبر استقالتهم استقالة للحكومة برمتها ولا اعتبار الحكومة غير شرعية وغير ميثاقية، لانه اذا اخذ بهذه القاعدة، فان الاقلية الوزارية تصبح هي التي تتحكم بالاكثرية وتفرض شروطها وقراراتها عليها، تحت طائلة التهديد بالانسحاب من الحكومة. وهذا من شأنه ان يعرض البلاد لأزمات وزارية قد يستعصي حلها بحيث تتحول ازمة حكم لا خروج منها الا باستقالة رئيس الجمهورية او بالدعوة الى اجراء انتخابات نيابية مبكرة.
وأخطر ما في الاقلية التي تتحكم بالاكثرية ان تكون اقلية طوائفية لا تتغير كما تتغير الاكثرية او الاقلية السياسية والوطنية بانتقال نواب من تكتل الى آخر، لان من ينسحب من اقلية او اكثرية مذهبية عليه ان يغير دينه، وهذا مستحيل، في حين انه يستطيع ان يغير سياسته عند انتقاله من صفوف الموالاة الى صفوف المعارضة او العكس، واذا كانت استقالة الوزراء الشيعة من الحكومة ادت الى شل عملها واقفال ابواب مجلس النواب في وجهها باعتبار انها غير شرعية وغير ميثاقية، فان وزراء لمذاهب اخرى قد يحذون حذو الوزراء الشيعة مع اي حكومة ويعرضون البلاد لازمات ولحالة لااستقرار سياسي وامني واقتصادي.
لذلك، مطلوب من الزعماء اللبنانيين على اختلاف اتجاهاتهم ومشاربهم ومذاهبهم حسم الخلاف حول هذه المواضيع لئلا تعود البلاد بعد الانتخابات النيابية المقبلة الى ما كانت عليه قبلها، اي تحكم الاقلية بالاكثرية، ولا يشكل اجراء هذه الانتخابات حلا جذريا للازمة في لبنان، بل تصبح عندئذ ازمة نظام يحتاج حلها الى اتفاق على نظام جديد قد يكون نظام "فيديرالية الطوائف" اذا لم يعد النظام الجمهوري البرلماني الديموقراطي هو النظام الذي يجعل الاكثرية تحكم والاقلية تعارض.
الواقع ان "التحالف الشيعي" الذي احتكر تمثيل الطائفة وقطع الطريق على تمثيلها بغير هذا التحالف تحت التهديد والوعيد، قد يقابله تحالف مماثل مارونيا او ارثوذكسيا او سنيا، يستطيع ان يهدد باستقالة وزرائه بقصد اطاحة الحكومة برمتها، وان تفرض الاقلية على الاكثرية تمثيلها باي حكومة بـ"الثلث المعطل"، والا امتنعت الطائفة التي تشكل تحالفا يحتكر تمثيلها عن المشاركة في الحكومة بغير شروطها وقد تكون تعجيزية، وذلك بقصد وضع البلاد امام ازمة مستعصية. فما لم يتم التوصل الى اتفاق على حل لهذه الامور، فان نتائج الانتخابات النيابية المقبلة، لن تأتي بحل جذري للازمات التي يتخبط بها لبنان خلال السنوات الثلاث الاخيرة، والدخول مجددا في الفوضى والمجهول، وتأكيد قول من يقولون ان لبنان "خطأ جغرافي" وان النظام فيه منتج للازمات…