"النزاع العسكري المحدود والخطير بين نظام الرئيس بشار الأسد وحكومة رجب طيب أردوغان يمكن، في حال استمراره واتساعه، أن يدفع الدول الغربية البارزة الى دعم أو تقبل إنشاء منطقة آمنة داخل الأراضي السورية على الحدود مع تركيا تحقق مكاسب أساسية للثوار وللمعارضين السوريين وتشكل تحدياً كبيراً للنظام وتقلص أكثر فأكثر سلطته على البلد. الواقع ان النظام تلقى ضربة قاسية عكست عزلته الواسعة وعجزه المتزايد عن مواجهة التحالف الإقليمي – الدولي الكبير المعادي له، إذ ان المجتمع الدولي دعم تركيا في مواجهتها معه وساندت روسيا والصين صدور بيان عن مجلس الأمن يندد بالقصف السوري للأراضي التركية وامتنعت إيران عن تأييد تصرفات دمشق وتجنبت إنتقاد أنقرة. حدث ذلك وقت يعرف الجميع ان تركيا تضطلع بدور محوري كبير في الجهود المبذولة لإسقاط نظام الأسد وتدعم بوسائل متنوعة الثورة ضد هذا النظام".
هذا ما قاله لنا مسؤول أوروبي في باريس معني بالملف السوري. وأوضح "ان نظام الأسد أراد ويريد تحقيق ثلاثة أهداف أساسية من طريق تسخين الجبهة وإطلاقه القذائف والنيران على الأراضي التركية هي: أولاً – إحراج أردوغان بسبب سياسته الداعمة للثوار السوريين وإثارة النقمة الشعبية عليه ودفع القيادات السياسية التركية الى الضغط عليه كي يتخلى عن توجهاته ومواقفه المعادية للنظام السوري. ثانياً – إظهار قدرته، وقت يواجه مصاعب داخلية كبيرة، على تحدي الدولة القوية تركيا وتفجير نزاع معها مراهناً على أن أردوغان لن يجرؤ على توسيع عملياته العسكرية وتفجير حرب حقيقية ضد سوريا يرفضها الشعب التركي. ثالثاً – دفع الدول المؤثرة الى التدخل في هذا النزاع والإتصال بالطرفين للتهدئة مما يفترض أن يؤدي، من وجهة نظر النظام السوري، الى عملية مساومة ومقايضة يتعهد في إطارها الأسد وقف الهجمات على تركيا في مقابل تخلي حكومة أردوغان عن دعم الثوار.
وأضاف المسؤول الأوروبي إستناداً الى معلومات حكومته: "أظهرت التطورات ان رهانات الأسد وحساباته خاطئة، إذ ان الاحداث الأخيرة أفرزت واقعاً جديداً يشكل مصدر تهديد إضافيا للنظام السوري ويتضمن العوامل والأمور الآتية:
أولاً – خرج أردوغان أقوى من معركته مع الأسد إذ ان العالم تضامن معه وحصلت حكومته على تفويض واضح رسمي من مجلس النواب لشن عمليات عسكرية داخل الأراضي السورية "عند الإقتضاء" مما يعطي، وللمرة الأولى منذ بدء الثورة السورية، شرعية للتدخل العسكري ضد نظام الأسد اذا واصل هجماته على الأراضي التركية أو أقدم على تصعيدها.
ثانياً – رفضت الدول الكبرى والمؤثرة التوسط بين الأسد وأردوغان وإنجاز مقايضة توقف بموجبها الحكومة التركية دعمها للثورة في مقابل إنهاء العمليات العسكرية ضدها بل إنها طالبت دمشق بوضع حد نهائي لنشاطاتها العسكرية ضد تركيا وباحترام سلامة أراضيها من غير الحصول على مكاسب أو تحقيق أي من أهدافها.
ثالثاً – أظهرت الأحداث ان نظام الأسد عجز عن إقناع حلفائه الأساسيين بالتضامن معه في معركته مع أردوغان ودعم مطالبه إذ ان هؤلاء ليسوا مستعدين لمساندة هذا النظام بأي ثمن ومهما فعل، ويرفضون الدخول في نزاع مع تركيا الدولة العضو في حلف شمال الأطلسي من أجل إرضاء الرئيس السوري.
رابعاً – ينوي أردوغان، إستناداً الى مصادر ديبلوماسية غربية مطلعة، إستغلال الحسابات الخاطئة للأسد من أجل التشدد عسكرياً معه وتقييد تحركات القوات السورية في الشمال والتحرك دولياً وإقليمياً بهدف إقناع أميركا والدول الغربية المؤثرة بضرورة التفاهم مع تركيا على إنشاء منطقة آمنة داخل الأراضي السورية لمنع إتساع نطاق المواجهات والحيلولة دون نشوب نزاع إقليمي بالغ الخطورة. ويمكن أن تكون المنطقة الآمنة مقراً لحكومة سورية موقتة تؤلفها المعارضة مع الثوار وملاذاً آمناً لأعداد كبيرة من المنشقين فتساعد على التعجيل في سقوط النظام وتغيير الأوضاع جذرياً في سوريا".
وخلص المسؤول الأوروبي الى القول: "باختصار يخوض الأسد معركة خاسرة مع أردوغان المدعوم داخلياً وإقليمياً ودولياً، وهو أوقع نفسه في مأزق حقيقي وخطير، فأي تصعيد للأعمال العسكرية مع تركيا سيجعل نظام الأسد يدفع ثمناً باهظاً، وأي رضوخ لشروط القيادة التركية سينهك النظام السوري ويضعف معنويات أنصاره ويعزز الإنشقاقات في صفوفه ويقوي نفوذ الثوار ومواقعهم ويدفع الدول المعادية له الى تكثيف وتشديد إجراءاتها ضده".