#adsense

مرايتي يا مرايتي

حجم الخط

يقف كثيرا النائب العماد أمام المرآة، ليس لاصدار أمر عسكري لشعيراته للتراصف الى الجهة المعاكسة، ولكن للتأكد مما يرى ويسمع ويُعجب. يقف عماد المتمردين أمام انعكاس الصورة في المرآة النقية، وهو يدرك تماما ان ما تعكسه هي الصورة الحقيقية للرجل، صورة نقية لا لبس فيها لذلك هو يعشقها، يعشق مرآته لانها لا تخذله، لا تكذب عليه، والاهم لا تجادله، مرآة عميقة لكن خرساء، هو لا يهتم لابعاد الصورة المعكوسة، يكفيه ما يراه مباشرة من دون أبعاد ثلاثية أو تعقيدات التكنولوجيا وما شابه.

قبل نحو الشهر وقف أمامها معاتبا، شاكيا، باكيا، مزمجرا وغاضبا: "لماذا لم تكن محاولة اغتيالي حقيقية؟ لماذا لم يفعلها أحدهم أي كان حتى ولو بالنقيفة، لماذا لا تساعدينني وتخبرينني اني تعرضت فعلا لمحاولة اغتيال؟ لماذا تصدقين قيادة الامن الداخلي وشعبة المعلومات وهؤلاء القضاة المرتشين ولا تصدقينني، لما لم تجعليني شهيدا حيا شرط الا اصاب بأي ضرر على الاطلاق، شهيد حي معنويا فقط؟؟؟

لم يلق الجنرال يومذاك جوابا شافيا من مرآته الوفية بعدما أحرجتها حقائق مذهلة عن استحالة تعرضه لعملية الاغتيال المزعومة او المفترضة، لكن وعدته خيرا في الايام المقبلة، خصوصا لناحية ان تكون المحاولة المفتعلة المقبلة أكثر اقناعا للجمهور الحبيب…

قبل انطلاق اسبوع الاحتفالات بذكرى 13 تشرين، وقف الجنرال أمام مرآته، سألها السؤال البدهي التاريخي اياه: "مرايتي يا مرايتي اما زلت زعيم تلك "الاقلية" من دون منازع ولا نزاع ولا متنازعين"؟ لم يسمع الجواب. الصمت يعني الرضى بالنسبة اليه. فحمل لقبه مطمئنا وانطلق الى الاحتفالية… الاحتفاليات.

طنطنت شاشته البرتقالية بالتقارير التي تنضح بـ "المحبة" وتجاوز الجروح والندوب التي أصابت المسيحيين منذ لحظة دخوله قصر بعبدا ذات ليل من العام 1988. لم يترك حاقدا لم يُجلسه الى شاشة الغسق الغارقة بتعب الكراهية. لم يغفل مزورا ولا كاذبا لم يأخذ منه واحدة من عشرات شهادات الزور عن أفظع حادثة تحوّلت معه الى أكبر عملية تزوير تحصل في تاريخ لبنان الحديث! وبعدما اطمأن الى سير الحقد والتزوير الصافي على الشاشة، بدأ ينطّ ضيفا من شاشة الى اخرى ومن تصريح الى آخر، الى ان جاء اليوم المنشود واحتفل بالذكرى مرتين، واحدة في بيت مري واخرى في رحاب تلفزيون النظام السوري الشقيق، هو المتمرد عاشق الديمقراطية!!

…ولما جاء المساء وانتهى الضجيج، وقف متباهيا وسأل وهو يعلم الجواب مسبقا: "مرايتي يا مرايتي ألم أكن الافضل في احياء ذكرى 13 تشرين؟ الكل صفق لي، انتشيت لاصوات الاكف الملتهبة اعجابا بي واحتفاء بحضوري النادر، اقنعت العالم بسوالفي الحلوة، وقد أحل ضيفا في حديث النواعم، الكل الان يصدقني، اقتنعوا ان السفراء في السفارة الفرنسية زربوني ولم يسمحوا لي بالخروج لمتابعة جيشي وهو ينهار ويستشهد ويذبح على يد القوات الخاصة السورية، صدقوا ان "القوات اللبنانية" هي من قصفت قصر بعبدا في 13 تشرين، وارتكبت المجزرة بحق الجيش، صدقوا اني قمت بكامل واجبي وابلغت الجيش بوقف القتال عبر اللاسلكي وانهيت واجبي تجاههم، وان من اكمل القتال عناصر غير منضبطة انا لا علاقة لي بهم ان تمردوا على السمع! صدّقوا اني سألت عن الشهداء والمعتقلين حين صافحت يد القاتل وجعلتها تباركني في قلب الشام، وانا الان أقبلها ع الطالع والنازل ولا اشبع، هم الان يصدقون اني لم انس الشهداء ولا يوم، حتى لو اني بالكاد أذكرهم مرة في السنة… بالكاد".

رفع الجنرال اشارة النصر الخاصة بالعونيين، والتي يرفعها عند كل عشاء لتياره، أو لقاء اثنين، أو حتى لقائه والست ناديا قبل ارتشاف فنجان الشاي على الشرفة، ونظر متباهيا الى الكيان المنهمر أمام المرآة، كيان لا يتكرر في تاريخ لبنان، وقبل أن يخلد مطمئنا متباهيا فخورا بانجازاته الاعلامية في الاسبوع الاخير، ممتلئا من ذاته ومن دفق وجوده، ابتسم بسمة غوى لا تقاوَم وسألها رفع عتب: "مرايتي يا مرايتي الست أفضل زعماء الكذبة وأكثرهم اقناعا لهؤلاء الخراف الذين ما زالوا يلحقون بي صاغرين طائعين خائفين؟". هنا فقط أنتفضت المرآة وأجابت ولمرة واحدة وأخيرة:" الآن والآن فقط نطقت بالصح…انت اكذوبة لبنان". لم يكترث، ضحك ضحكته الخاوية المجلجلة في فراغ خوابيه، وذهب الى النوم هانئا، ولم يستمع الى شهيد 13 تشرين وهو يتلوى في موت شهادته، ويصرخ من غيم الايام" لا تحولوا شهادتي حجرا على قبر، اجعلوا قبري محجّة البخور والزهر واتركوا الدمع يغسل الذكرى ويطهرها بنور الحقيقة، بقلب امي، بحرقة ابي، بوجع وطني. الحقيقة يا أحياء الارض يا شهداء الزمان، لا تقتلونا مرتين"… كل الناس سمعت، كل الناس بكت صلّت انحنت، وحده لم يسمع، أكمل رواية الراعي والذئب واستراح في الصورة المعكوسة في المرآة ومضى الى روايات جديدة بنجاح كبير…

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل