الدولة
الانتشار العسكري السوري على بعض حدود لبنان والذي اثار الغبار الكثيف، حقق حتى الآن توقيف الصحافيين الاميركيين هولي شميلا وتايلور لوك ومعالجة حادث حدودي في منطقة القاع البقاعية. أما اهدافه التي أعلنها الرئيس السوري بشار الاسد والمتمثلة بوقف التهريب وتسلل الارهاب فقد دحضه الشريط التلفزيوني الذي بثه تلفزيون "اخبار المستقبل" فأظهر ان التهريب على قدم وساق برعاية الانتشار نفسه، كما دحضه الاشتباك في مخيم اليرموك الفلسطيني داخل دمشق. ومع ذلك يحق لمن يعتبر "ان النظام السوري الحالي دائماً على حق "ان يدافع عن الانتشار في مكان ينتمي الى مربّع النظام، على رغم ان هناك تمنيا ان يمتد هذا الانتشار الى المثلث الحدودي السوري – اللبناني – الاسرائيلي حيث في مكان قريب من المثلث قرية الغجر التي يسكنها سوريون وتقع على "الخط الازرق" الذي يقسمها بين لبنان واسرائيل ويصر سكانها على الاحتفاظ بهوياتهم الاسرائيلية ويرفضون بقوة الصلة بلبنان. فلعل وعسى ان يعيد الانتشار العسكري السوري على مقربة منهم اليهم الامل في الوطن السوري.
وحتى اشعار آخر، نحن امام نموذج من الدول يجسدها النظام السوري الذي يجب التعامل معه، سواء أحببته أو كرهته، لكنه بالتأكيد ليس النموذج الذي يضج العالم اليوم بالحديث عنه وسط معمعة الانهيار المالي الذي يجتاح معظم الكرة الارضية. فبعد عقود من الحرية لمفاهيم السوق يعود الكلام على دور الدولة في ضبط هذه الحرية. وحبذا لو ينتبه العالم الى النموذج اللبناني الذي تجسده القيادة المالية للرئيس فؤاد السنيورة والطاقم الناجح في وزارة المال والبنك المركزي بقيادة الحاكم رياض سلامه وجمعية المصارف. فهؤلاء، على رغم التهريج السياسي حولهم وضدهم، اثبتوا انهم ذوو رؤية ثاقبة يستحقون معها لقب المعلم الذي سبق لاجدادنا الفينيقيين ان تمتعوا به وهم ينقلون الابجدية الى اوروبا في غابر الازمنة. والدرس المهم في الازمة المالية العالمية واسقاطاتها الداخلية، ان الدولة عندما تكون لها هذه الفاعلية في الحقل المالي تستطيع ان تقود على طريق الخلاص في بلد يتمتع بقطاع مالي يتجاوز حجمه السكاني والجغرافي بكثير. وكان احد صانعي القرار في هذا المضمار رئيس جمعية المصارف السابق الدكتور جوزف طربيه الذي صار رئيساً للرابطة المارونية التي لم تنجح حتى الآن في انجاز مقدمة للمصالحة المسيحية – المسيحية. وفي هذه الزاوية بيت القصيد: ان ازمة مالية عالمية تجرف الاخضر واليابس، لو كانت مواجهتها بأيد سياسية كالتي تمتلك الان مقاليد الامور في لبنان، لكانت البلاد في خبر كان واخواتها. فليتصور المرء كيف ان قراراً ماليا يمكن ان يبصر النور لو كان الرئيس السنيورة مقيدا بجوقة الثلث والمعطّل وكانت جمعية المصارف في حمى الوله بالنظامين السوري والايراني!
في لبنان نموذج دولة تنجح ماليا وتفشل سياسيا وأمنيا. المنطق يقول ان الجزء الناجح يجب ان يعم. ولكن من قال ان هناك منطقا في كل هذا الفشل الذي يعانيه لبنان سياسيا وأمنيا؟
الاعجوبة المنتظرة ان يدرك من بيده اسباب فشل الدولة، على غرار امتلاك السلاح الفئوي وخوض حروب الالغاء السياسي، ان الواقعة اذا وقعت لن ترحم احدا. وفي الوقت نفسه يدرك من هم اصحاب مشروع الدولة ان هناك حدودا لطأطأة الرؤوس والقبول بهذا الحجم الفضفاض من الكادر الذي ينتسب الى معجن الدولة ليأكل من خبزها فقط ليحارب بسيف الدويلات!