#adsense

عون المكرَّم ايرانياً يقطع مع المارونية السياسية ويتبنّى النسطورية

حجم الخط

أوساطه تروّج للزيارة كما لو أنها "تفاهم مار مخايل" بين الحضارات
عون المكرَّم ايرانياً يقطع مع المارونية السياسية ويتبنّى "النسطورية"

الجمهورية الإسلامية تكرّم ثلاث سنوات من سيرة العماد ميشال عون. تكرّمه على أدائه السياسي منذ عودته إلى لبنان والمتضّح بشكل لا رجعة فيه منذ "تفاهم" 6 شباط 2006 مع "حزب الله"، مع التذكير بأن الجنرال ما كان يكلّ ولا يملّ في أيام حرب تموز وهو يوضح الفارق الشاسع بين "التفاهم" و"التحالف". بل أن الجنرال اعتبر وقتها أن ورود أي خبر حول تحليق الطيران الحربي المعادي فوق ساحل المتن الشمالي ليس إلا مؤامرة إعلامية دنيئة محاكة ضدّه وتهدف لإظهاره كـ"حليف" لحزب الله والإيرانيين.

ويذكر أن عون كان عرض في بداية الحرب وساطة يقوم بها بين الأمم المتحدة والدولة اللبنانية لإيجاد مخرج لقضية الجنديين الإسرائيليين، علماً أن الدولة اللبنانية كانت آخر من يعلم مصيرهما ومكانهما. مهمة أخرى كلّف العماد عون نفسه بها في أيام حرب تموز: نفي أن يكون "تفاهم مار مخايل" أجاز عملية "الوعد الصادق" التي شكّل الرد عليها ذريعة للحرب، والبثّ بأن البيان الوزاري هو الذي يوجب هذه العملية ويشرّعها.

نفحة من "النصر الإلهي"

مع ذلك فقد منح "حزب الله" نفحة من "النصر الإلهي" بعد الحرب إلى العماد عون، في حين جرى الترويج لنظرية "تآمر" 14 آذار على حزب الله أثناء الحرب، وتوارى الكلام الصادر قبل ذلك من طرف قيادة الحزب حول الإستعداد للمثول للمحاسبة أمام الحكومة أو عن رئيس المجلس نبيه بري حول المقاومة الديبلوماسية التي تنهض بها الحكومة ورئيسها في موازاة المقاومة العسكرية.

في تلك المرحلة ما عاد عون يضيّع الوقت في التمييز بين ماهية "التفاهم" وماهية "التحالف". رفع "التفاهم" رأساً إلى مرتبة "جبهوية" وتجسّد في "إعتصام دائم" بوجه حكومة ما كان عون يصفها بـ"اللاشرعية" يوم كان تياره خارجها وبالتالي أكثرية المسيحيين وفقاً لحساباته، لكن صار يصفها كذلك عندما استقال منها وزراء "حزب الله" و"حركة أمل" ولم تقبل استقالتهم ولا منعتهم من مزاولة المهام الوزارية بين الفينة والفينة.

هنا صار عون محط تقدير عال من المسؤولين الإيرانيين. وزير الخارجية منوشهر متكي لم يتردّد بإعلام الرئيس السوري بشّار الأسد في أواخر 2007 بأن "عون رجلنا". الفارق بين القيادتين السورية والإيرانية يكمن هنا: إسناد ظاهرة عون و"التحالف" معها أمران ضروريان بالنسبة إلى السوريين لكنهم لا يستطيعون التسامح بأي حال مع وصوله إلى الرئاسة. الإيرانيون يثقون أكثر بقدرتهم على التحكّم، ولأجل ذلك لم يمانعوا بإيصال عون إلى الرئاسة الأولى، ولو نجح 7 أيار بالمدى الذي كان مخططاً له من قبل مهندسيه في "الحرس الثوري" لكانت حظوظ عون الاسترئاسية صارت جدية، ولكانت هذه فرصته الحقيقية الأولى.. والأخيرة.

من بنت جبيل إلى طهران

لا يعني ذلك أن الإيرانيين نسوا سيرة العماد ميشال عون السابقة على "التفاهم". هم يشتهرون بنسختهم من "البراغماتية" ومن السياسة المبنية على حسابات نفعية بحت إلا أنّهم مع ذلك أيديولوجيون كفاية لكي يثير تكريمهم لظاهرة عون التي كان للرئيس العراقي الراحل صدّام حسين الباع الأكبر في تمويلها وتوجيهها بعض الحرج. كما أن الحلقة الزمنية الواصلة بين "عون الصدّامي" و"عون النجادي" هي مرحلة توّجها الجنرال بخطابه أمام الكونغرس الأميركي يوم وضع خبرته في تصرّف الحرب على "محور الشرّ" التي تمثّل ايران أحد أضلاعه وفقاً لتعريفات جورج بوش الإبن.
في آخر الأمر تبقى هذه الإعتبارات هامشية حينما يصل العماد عون إلى مطار طهران ويستقبل بحفاوة قد تفاجئه شخصياً وتعوّضه بروتوكولياً عن رئاسة فشل في الوصول إليها وبدت مضمونة له في 7 أيار.

إنما يبقى أن المسؤولين الإيرانيين ليس بمستطاعهم أن يقولوا في عون وهم يكرّموه ما قاله له النائب عن "الوفاء المقاومة" حسن فضل الله في بنت جبيل، يوم حاول إرجاع "الشراكة الوطنية" مع عون إلى سنوات قبل "التفاهم" الرسمي معه متوجهاً إليه بالإشادة "حين أعلنت على الملأ قبل التفاهم وفي المنفى أنك ستكون الى جانب المقاومة ووطنك في حال اعتدت أميركا واسرائيل، وقد صدقت الوعد مع صادق الوعد". حاول فضل الله يومها ايجاد "ما قبل تاريخ" ممهّد لتفاهم مار مخايل. لم يكتف بأن أغدق على عون نفحة من "نصر" 2006، بل أشركه أيضاً في "تحرير" 2000.

تكريم أم تمويل؟

تصرّ الكوادر المنشقة أو المطرودة من "التيار الوطني الحرّ" على أن "التمويل" وليس "التكريم" هو الطابع الرئيسي لزيارة قيادة التيار إلى طهران. في المقابل يسعى هواة النوع سواء من العونيين الذين تطوروا باتجاه اللحودية أو من اللحوديين الذين اعتنقوا العونية للقول إن الزيارة لها بعد حضاري. ميشال عون، كما يدّعون، يخاطاب القيادة الإيرانية "بإسم مسيحيي الشرق". ميشال عون يزور ايران لتوقيع "تفاهم بين الحضارات".

طبعاً هذا ينسجم تماماً مع الذهنية التي كتبت وثيقة "اللقاء الوطني المسيحي" التي أذيعت من فندق الرويال. الوثيقة اعتنقت مبدأ "الموت لأميركا" أو "محاربة الإمبريالية" واعتبرت أن رسالة مسيحيي الشرق تكمن في محاربة الطاغوت الأميركي وفي الدفاع عن الإمبراطورية الساسانية الجديدة بوجه الهجمة الآتية من الغرب.

من نسطوريوس إلى عون

بيد أن ما يحصل مع الزيارة هو أن الإفتراق العوني عن التقاليد المكونة للهوية المارونية يبلغ مداه. بل ان ميشال عون يجسد بتكريمه في ايران الخيار التاريخي الذي ما قامت المارونية في الأساس إلا كنقيض له.

تاريخياً، طائفة النساطرة هي التي تفرّدت عن باقي مسيحيي الشرق ولجأت إلى فارس بعد إدانتها في مجمع أفسوس عام 431. تعرّضوا للإضطهاد البيزنطي فأنضموا إلى الخصم. أماالموارنة فتشكلت تجربتهم في الإتجاه المعاكس تماماً. تعرّضوا هم أيضاً للحيف البيزنطي فلجأوا بدلاً من ذلك إلى الإنطواء والزهد من جهة، وإلى التطلّع بإتجاه الكنيسة الغربية يوم صار ذلك متاحاً من جهة أخرى.

والمارونية أشد الطوائف المسيحية إحياء لذكرى رجعة الصليب. عام 614 استولى الفرس على بيت المقدس وسلبوا الصليب الذي يؤمن المسيحيون منذ أيام قسطنطين وهيلانة بأنه صليب المسيح. تطلّب الأمر حرباً مقدسّة ضارية قادها الإمبراطور هرقل إلى أن استطاع تخريب عاصمة الفرس المدائن واسترجاع الصليب عام 630، وهو ما اعتبر من يومها "عيد الصليب".

ليس استرجاع هذه المحطات بقصد المناكفة. الغاية التمييز بين مسارين مختلفين تماماً بين مسيحيي الشرق. المسار النسطوري قضى بالإحتماء بكسرى. المسار الماروني كان وفياً للقيصر الذي استرجع الصليب، ودخل معه في البداية في مغامرة التقريب بين العقائد تحت مسمّى "المشيئة الواحدة" للتقريب بين عقيدتي "الطبيعة الواحدة" و"الطبيعتين" فكان أن سبّب ذلك للجماعة المارونية الأولى اضطهاداً لقيته من القياصرة التالين. مع ذلك لم تفكّر هذه الجماعة في إتباع المسلك الذمّي الأول في هذا الشرق، أي النسطورية. بَنَت الجماعة تصورها لنفسها على أساس فكرة الحرية.

ثمة اليوم من يريد تسليم صليب هذه الجماعة إلى ايران بحجة أنها الإمبراطورية الحاضنة لمسيحيي الشرق إذا ما قرّروا المواجهة مع الغرب. إذا كان ثمة بالفعل دلالات "رسالية" لزيارة عون إلى ايران "باسم مسيحيي الشرق" كما يحاول البعض الترويج فإن ذلك هو باتجاه القطع النهائي مع تقاليد المارونية بشكل عام، والمارونية السياسية على وجه التحديد، لسلوك درب يمكن تشبيهه بذاك الذي أجبر النساطرة على ارتياده. عون المكرّم من ايران ينتقل، سياسياً، من طائفة إلى أخرى.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل