كتب ي.د. في صحيفة "المستقبل":
لم تعد حنكة الجنرال ميشال عون مقتصرة على حدود قدرته على إثبات نفسه كزعيم سياسي في البلد، إنما تخطتها ليكون قارئاً بارعاً لمسار الأحداث السياسية والأمنية في لبنان وسوريا والمنطقة وحتى العالم.. الرجل لم تخطئ قراءاته أبداً منذ تنبّأ قبل سنة تقريباً بأن النظام السوري حسم الصراع لمصلحته، وحدد لذلك موعداً قاطعاً هو يوم الثلاثاء "المجيد" الذي لم يأت بعد، وأقسم بأغلظ الأيمان بأنه سيلوي ذراع الولايات المتحدة والغرب في لبنان وفي المنطقة، وتوقع هجرة المسيحيين من المشرق وخصوصاً من البلدان العربية التي عاش شعبها زهوة الربيع العربي. أما الآن فتأتي قراءته لبنانية مئة بالمئة، عندما شكك بإمكانية إجراء الانتخابات النيابية في الربيع المقبل، لأن "راداراته" التقطت موجات تحمل أخباراً مخيفة مفادها أن الوضع الأمني المتفجّر في طرابلس وعكار لا يسمح بإجراء مثل هذه الانتخابات.
إذا ما قيست الأمور على نبوءات عون، فمعنى ذلك أن الانتخابات حاصلة في موعدها، لأن اللبنانيين اختبروا عقم قراءاته وتوقعاته بدءاً من الأمثلة المعروضة أعلاه الى تفاصيل كثيرة لا يتسع المجال لذكرها. والواقع يقول إن إسقاط صفة "قارئ للأحداث" على الجنرال باتت فضفاضة جداً، لأن هذا الرجل أثبت فشله حتى في التبصير والتنجيم، وبالتالي لا قيمة لكل توقعاته واستنتاجاته. غير أن توقعات حاكم الرابية بما خصّ الانتخابات يجب مقاربتها من زاوية مختلفة، فما يريده النظام السوري و"حزب الله" للمستقبل السياسي في لبنان كان ينطق به مسبقاً الناطقون باسم الوصاية مثل وئام وهاب وناصر قنديل (الغائب حالياً عن السمع) وفايز شكر وميشال سماحة وباقي الطفيليات التي تفرد لها وسائل الإعلام السورية العاملة على الأراضي اللبنانية مساحات على الهواء، حينها كان يفهم اللبنانيون مراد "جبهة الممانعة" على طريقة "خذوا أسرارهم من صغارهم"، أما عندما توكل هذه الجبهة إصدار البلاغ رقم واحد بتأجيل الانتخابات النيابية أو بالأحرى تطييرها، لأن النتائج لن تكون لمصلحته، فهي تبلغ رسالتها هذه المرة عبر الجنرال على طريقة "خذوا الحكمة …"
ليس ثمة مجال للمقارنة بين أمن منطقة عكار التي لم تشهد منذ سنتين ولو حتى إشكالاً فردياً أو إطلاق نار باستثناء تلقي البلدات الحدودية عدوان النظام البعثي الحليف للجنرال، وبين أمن الضاحية الجنوبية التي باتت سمة وعلامة فارقة لعمليات الخطف المسلّح والاشتباكات وقتل ضباط وعناصر الجيش وخطف وإخفاء دوريات قوى الأمن عند مطاردتها أي مطلوب. كما أنه لا مجال للمقارنة بين أمن طرابلس الذي لم يعكّر صفوه الا جنون رفعت عيد وميليشياته وباقي المليشيات التي تنهل هي والجنرال من معين البعثية، وبين أمن منطقة البقاع التي تحولت مرتعاً لعصابات الخطف السياسي والابتزاز المادي، ومافيات زراعة وتصنيع وترويج المخدرات وفي مقدمهم مسؤولون من الحزب الذي ينام الجنرال على وسادته، أو الاشتباكات التي تدور في حي الشراونة في بعلبك، أو الكمائن التي تنصب للجيش والقوى الأمنية في الهرمل واليمونة وغيرها، وتحويل هذه المنطقة الى معبر للواجب الجهادي في سوريا.
لكن ما يجب التوقف عنده وتأمله ملياً، أن حكمة الجنرال هذه المرّة لها دلالاتها، فتسمية طرابلس وعكار بالتحديد على أنهما وحدهما مصدر خطر على الانتخابات، يعيدنا شهرين الى الوراء عندما أحبطت قوى الأمن الداخلي مخطط الثالوث الإرهابي المتمثل بميشال سماحة وعلي مملوك وبثينة شعبان ومن لفّ لفهم، وهؤلاء حلفاء الجنرال ومقربون منه، وهو الذي التحق بمعسكرهم منذ العام 2005، وهنا نقول: "معو حق الجنرال"، فيبدو أنه كان عالماً بخفايا مخطط الثالوث الإرهابي الذي كان هدفه تفجير لبنان بدءاً من عكار بما يزيد على 250 كيلوغراماً من المتفجرات التي أعدت لقتل نواب ورجال دين لا تستثني حتى البطريرك الماروني خلال زيارته لعكار ولا حتى مفتي عكار، وعلى ما يبدو أن الجنرال على دراية بمخططات أخرى قيد التحضير والإعداد لتنفيذها في عكار وطرابلس تعوض ما فات الحلف الجهنمي وأخفق به، وهنا يكون بيت القصيد في ما قاله شمشون هذا العصر، بأن الشمال سيكون باباً لتعطيل هذا الاستحقاق الدستوري المفصلي.
في هذا الخصوص، يرى عضو كتلة "المستقبل" النائب محمد عبد اللطيف كبارة، أن "طرابلس وعكار هما منطقتان خاضعتان لسلطة الدولة، ومن المناطق الأكثر أمناً وأماناً في لبنان، وأن الأجهزة الأمنية تقوم بدورها كاملاً فيهما، بخلاف المناطق الواقعة تحت سلطة حلفاء الجنرال عون". ويؤكد كبارة لـ"المستقبل"، أن "مشكلة عون و"حزب الله" وفريق سوريا في لبنان مع الشمال وطرابلس تحديداً، هو أنه بعد أحداث السابع من ايار حاولوا خلق فتنة في طرابلس ظناً منهم أنهم قادرون على ابتلاعها والهيمنة عليها كما هيمنوا على البلد، لكنهم تفاجأوا أن طرابلس كما عكار كانت عصية عليهم وعلى مشروعهم الأمني والسياسي وهي التي كسرت شوكتهم". لافتاً الى أن "تعاطف أهالي طرابلس وعكار مع الشعب السوري في محنته، وتقديم الدعم المعنوي والإنساني للثورة السورية هو الذي أزعج الجنرال وفريق سوريا في لبنان، ولذلك نراهم يلجأون الى الفبركة والافتراءات والكلام الاستهلاكي".
أما رئيس "حركة التغيير" ايلي محفوض، فاعتبر أن "الإشكالية القائمة بين ميشال عون والشمال وتحديداً عكار، هي لأنها المنطقة الوحيدة التي لم يستطع عون ترويضها سياسياً وأمنياً وتخويف أهلها من قبل حليفه "حزب الله" كما يحصل في مناطق أخرى".
وقال محفوض لـ"المستقبل"، "هناك اعتقاد سائد عند عون بأن كل شخص في عكار يتلقى راتباً تقاعدياً بعدما أنهى خدمته في الجيش، يفترض به أن يكون موالياً له، ولأن الأمور خلاف ذلك نراه يفقد صوابه ويصب جام غضبه على عكار". ورأى أن بُعد طرابلس وعكار جغرافياً عن نفوذ "حزب الله" بخلاف ما حصل في جبيل عندما أعطى الصوت الشيعي الغالبية للائحة عون، حتى إن اعتداءات الحزب على تخوم عكار وتحديداً من قبل عشيرة آل جعفر لم تستطع أن تروض الناس في عكار وتغيّر خياراتهم. كما أن الاعتداءات السورية والقصف المتواصل على بلدات عكارية لم تفلح في قلب النتيجة، كلها عوامل بدأت تقض مضجع عون وتياره وتظهر نقمته على هذه المنطقة". ولفت الى أن عون "سيعمل ليلاً ونهاراً من أجل تأجيل الانتخابات لأن الإحصاءات التي أجرتها ثلاث شركات إستطلاع بناء لطلبه عادت إليه بنتائج مخيفة تظهر إنهيار شعبيته في الوسط المسيحي، وتنبئ بأن خسارته هذه المرة ستكتب نهايته السياسية". وتوقع أن "يبادر عون في أي لحظة الى الانقلاب على "حزب الله" والنظام السوري عندما تحين الفرصة المناسبة له، ومردّ ذلك الانقلاب المتوقع الى أمور عدة أهمها: أولاً وضع "حزب الله" المادي والعسكري الآخذ بالتراجع لأن الحزب بات الآن كالرجل المريض والذي لم يعد بإمكانه انتشاله مادياً وخوض معارك أمنية وعسكرية نيابة عنه، ثانياً مواقفه الداعمة للنظام الذي يقتل الشعب السوري والتي بدأ يحصد نتائجها على الأرض، ثالثاً المواقف العربية والدولية التي لم تعد ترى في عون ممثلاً للمسيحيين في لبنان بقدر ما هو ممثل لـ"حزب الله" والنظام السوري". ولم يستبعد محفوض أن "يلجأ عون الى مقاطعة الانتخابات بحجة أن القانون الانتخابي غير منصف بحق المسيحيين وذلك للهروب من خسارته المدوية".