#dfp #adsense

طائرون… بدون طائرة!

حجم الخط

 وقف اللبناني الطائر على سطح البرج الشاهق، ونظر الى أسفل فلم يخف، لأنه لبناني بالطبع. تراجع أمتاراً عدة، ورفس برجليه الأرض بضع مرّات كما يرفس الثور قبل انطلاقه في الهجوم… وركض محرّكاً يديه كأنهما جناحان. ثم تنامت سرعته الى أن قفز عن السطح وبدأ سقوطاً عمودياً نحو الرصيف. هو لم يقفز وحده، بل كان معه رفاق، لبنانيون مثله، مكبّلون جميعاً به في سلطة حديد واحدة، لذلك اضطروا الى القفز سويّة. وفي وسط المسافة التي تفصله عن لحظة الارتطام بالأرض، نظر بطلنا الطائر الى رفاقه المرعوبين، بعيونهم التي تنفجر خوفاً وصراخهم المتعالي، فابتسم وقال لهم: "أنتم جبناء. لا تخافوا! انظروا، لقد مررنا للتو أمام الطبقة الخمسين، وها نحن بأفضل حال لم يمسّنا شر".

هكذا كان شعور الأكثرية الساحقة على المدرج الذي انطلقت منه طائرة العجائب. فاللبنانيون يظنون أنهم انطلقوا صعوداً بلا طيّار، طائرين بلا طائرة، يتخطون الطبقة الخمسين فالستين، نحو حرب جديدة وجحيم جديد. خائفون من اسرائيل؟ لا، لكنهم خائفون على القليل المتبقي من دولة استقلالهم، وعلى القليل القليل الذي بقي من اعادة إعمار بلدهم بعد حروب طوابق السبعينات والثمانينات، ورغم أنف الوصاية، وحرب تموز، والدمار المتربص بحدودهم، حدودهم كلها. لقد اعتقدوا أن مظلة خلاص "فتحت بوجههم" في الطائف، ثم أخرى بتحرير الجنوب، فأخرى في التحرير الأخير، وظنوا أن في وسعهم ترك السطح لغيرهم ممن حان دورهم. ولكن لا، إذا كان ما حدث فوق سماء العدو شيء عظيم، فإن ما حدث يومها عندنا أعظم.

المشكلة ليست بالجرأة، فأبطالنا الشيعة أعادوا كتابة الكلمة بخط من ذهب، وليست المرجلة بالتقنية لأنها مستوردة، ليقيننا بأن ليس هناك من مصنع إلهي يُنتج طائرات في حقول التبغ في الجنوب. والمشكلة ليست بالوسيلة، فهي خفيفة نظيفة، "وما حدا صارلو شي وما حدا مات". إن المشكلة بالهدف وبالريموت كونترول. فإذا كان الهدف تدمير ما تبقى من الدولة اللبنانية، قراراً وسياسة، ومؤسسات ودستوراً، فلقد تحقق الهدف. أما بالنسبة الى الريموت كونترول… فواحد صفر لصالح إيران.

دُمّرت الطائرة، وجل ما اثبته ذلك ان لبنان أمسى مدينتين، إسبرطة الأحادية العسكرة، وأثينا القائمة على إرادة الشعب. والإثنتان ضدّان لا يتعايشان… وفي هذه المعمعة، اللبنانيون كلهم "إيكار"، طائرون بدون طائرة، وخائفون من أن تفضحهم يوماً اشعة الشمس اذا اقتربوا كثيراً من حرارتها… فتذيب أجنحتهم المصنوعة من شمع!

المصدر:
النهار

خبر عاجل