نسف تبنّي "حزب الله" طائرة الاستطلاع الايرانية "أيوب" مضمون الحوار الوطني المقرّر أن تنعقد جلسته المقبلة بعد نحو ثلاثة أسابيع. فهو بذلك كشف أنه، اسوة بما قام به صيف العام 2006 عندما أسر جنديين إسرائيليين، ما زال متمسكاً بالتفرّد في قرار استخدام أدواته العسكرية في مواجهة الدولة العبرية بغضّ النظر عن موقف السلطة الشرعية والمصلحة الوطنية.
فـ"حزب الله" غالباً ما كان يمتنع عن كشف نوعيّة قدراته العسكرية قبل استخدامها بذريعة "الغموض" وعدم تقديم هدايا مجانية للعدو. وبالتالي فإنّ كشفه مسؤوليته عن "أيوب"، التي اخترقت الدفاعات الجوية الإسرائيلية قبل إسقاطها، موجّه إلى مناوئي سلاحه في الداخل لأنّه واثق من عزم سائر الأفرقاء على استكمال الحوار الوطني، وإن كإطار شكلي للتهدئة.
وقد جاءت الردود الرسمية على قضية "أيوب" خجولة بما يسمح لـ"حزب الله" بمواصلة التفرّد بقرارات الحرب والسلم والضرب عرض الحائط بمبادئ "إعلان بعبدا" الذي وافق عليه في جلسة سابقة للحوار الوطني وتقرّر إرسال نسخ عنه إلى جامعة الدول العربية ومنظمة الأمم المتحدة. وممّا ينص عليه هذا الاعلان "ضبط الحدود السورية اللبنانية (…) والتزام القرارات الدولية بما فيها القرار 1701" الذي أوقف العمليات العسكرية بين "حزب الله" وإسرائيل والذي تفرّد "حزب الله" بخرقه هذه المرة لبنانياً بذريعة الخروق الإسرائيلية المتكرّرة له، مخالفاً بذلك نمطاً اتبعه منذ العام 2006 تجاه الدولة العبرية.
فقد رأى رئيس الجمهورية ميشال سليمان ان قضية "أيوب" تظهر مدى الحاجة إلى إقرار استراتيجية دفاعية تنظم الإفادة من قدرات المقاومة للدفاع عن لبنان (…) وتضع آلية لإصدار القرار باستعمال هذه القدرة بما يتلاءم مع خطط الجيش واحتياجاته الدفاعية والمصلحة الوطنية حصراً في أي ظرف من الظروف". كما نقل عن رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، وهي الحكومة التي ما زال "حزب الله" مشاركاً فيها، بل كان أصلاً وراء قيامها قبل اندلاع الثورة السورية، قوله "ان فاعلية أي موقف أو تحرك لمواجهة الخروق الإسرائيلية المتكررة للسيادة اللبنانية، سياسياً كان أو ديبلوماسياً أو أمنياً، لا يجوز أن تكون في التوقيت وفي الأسلوب خارج التوافق الوطني الجامع".
وسبق للرئيس سليمان أن أدلى مؤخراً بمواقف لم يستسغها "حزب الله"، ومنها مثلاً قوله "السلاح الذي يشهر في الداخل ممنوع ويجب نزعه، كان لـ"حزب الله" أو السلفيين أو غيرهما، أو "لن نسمح أن يكون لبنان مكاناً لحماية أي نظام أو دولة بعدما دفعنا غالياً ثمن حريته وديموقراطيته". كما ان أساس تصوّره للاستراتيجية الدفاعية يربط احتفاظ "حزب الله" بسلاحه بدعم الجيش وفقاً لقرار السلطة.
وعلى غرار ما تثبته قضية "أيوب" من تمسّك "حزب الله" بالتفرّد بقرار استخدام سلاحه، يدلّ على ذلك تورطه في الدفاع عن النظام السوري من دون قرار رسمي، متلطياً خلف بيئة مناصرة له تقيم في بضع قرى سورية حدودية سلّمها له نظام الأسد، كما سبق له أن سلّم المنطقة الكردية الحدودية مع تركيا إلى منظمات مناصرة لـ"حزب العمال الكردستاني" الانفصالي.
وبالتالي يتوجّب على قوى "14 آذار" أن تعيد التأكيد في جلسة الحوار المقبلة، في حال انعقادها، على دعوة الحكومة لتطلب من مجلس الأمن الدولي نشر عديد من "اليونيفيل" لضبط الحدود الشمالية والشرقية مع سوريا وفق المذكرة التي تسلمها رئيس الجمهورية سابقاً مذيّلة بتواقيع كل نوّابها.
كما يظهر كشف "حزب الله" مسؤوليته عن "أيوب"، رغم أنها توفر لإسرائيل ورقة إضافية لاستخدامها في حرب تبدو محتومة باستثناء توقيتها، عزمه على الاستفادة إلى أقصى حد من صمود النظام السوري لفرض هيمنته على مفاصل الدولة، إن عبر التعيينات الأساسية أو عبر قانون انتخاب يؤمّن له أكثرية يتحكّم بمواقفها مستفيداً من الدعم الدولي والعربي للحكومة خشية اهتزاز استقرار لبنان. كما يساعده على ذلك التقاعس الدولي عن مدّ الثوار بقرارات وأسلحة تسمح لهم فعلياً بحسم الوضع فتتحوّل الأزمة السورية إلى حرب استنزاف مجهولة الأمد وإن كان مآلها محتوماً بسقوط نظام بشار الأسد.
فقد تمخض جبل مهمة الاخضر الابراهيمي عن فأر تجسّد في سعيه الحالي للحصول على مجرّد هدنة لعيد الاضحى.
لكن ورغم ذلك لا ننسى ان هذا المبعوث الدولي العربي سبق له أن أعلن قبل أيام قليلة أنّ الأزمة السورية باتت "تهدّد السلم العالمي"، فيما رأى مندوب المملكة العربية السعودية في الأمم المتحدة عبدالله المعلمي "ان النظام السوري تجاوز في عدوانه حدود بلاده فأضحى يهدّد أمن المنطقة بأسرها". فهل تفتح هذه المواقف الأبواب لسلوك عملي، مهما كان نوعه، يساهم في حلّ الأزمة خصوصاً مع تفاقم الوضع على الحدود السورية التركية؟.