غرقت الاحزاب والشخصيات السياسية المسيحية في متاهات البحث عن "حقوق المسيحيين" أو "إعادة تلك الحقوق إليهم"، والسبب مزايدات نائب رئيس مجلس النواب الأسبق إيلي الفرزلي صاحب قانون "اللقاء الأرثوذكسي". من الواجهة الخارجية، يُفهم القانون على أنه نتاج مباحثات الطائفة الأرثوذكسية جمعاء هذا فضلا عن كون التسمية تحصر "الإنجاز" القانوني بمذهب واحد هو المذهب الأرثوذكسي لقانون يخصّ لبنان بكامل طوائفه ومذاهبه.. فبدل التوحّد زادت التفرقة والتجزئة!
في الحقيقة، إن مشروع "اللقاء الارثوذكسي" هو مشروع الفرزلي القومي العروبي العلماني التقدمي، أما الطائفة الارثوذكسية فبراء منه وزجّ اسمها لا يغطي "السموات بالقبوات". فجأة وبعد سنوات من سطوة النظام الأسدي السوري على لبنان وقوانينه ودستوره وطائفه "عاش وفاق" الفرزلي ليعلن خوفه على المسيحيين، "ماسكاً واجباً" مع رئيس تكتل "التغيير والإصلاح" النائب ميشال عون الذي "رجّع الحقّ لأصحابه" بعد اتفاق الدوحة.. لذا فقد نجح الفرزلي في إقناع عون وحده بذلك دون أن يتمكن من إقناع الأفرقاء الآخرين أو "يعذّب" نفسه في زيارة كل الأفرقاء لعرض "قانونه" ويسمع الإنتقادات والآراء..
في أي حال فقد حاول الفرزلي عبر قانونه أن يسوّق قضية انتخاب حوالى نصف النواب المسيحيين بأصوات الناخبين المسلمين كقضية يجب ايجاد الحل لها لطمأنة المسيحيين ولتأكيد حقهم في انتخاب نوابهم. وقد أثبت أنه كمحام يملك القدرة على التسويق ومن ثم إبراز حجة والتغاضي عن حجة أخرى عندما لا تخدم مصلحته.
لكن أين هي مصلحته في عهد ما بعد النظام؟ ببساطة مصلحته لا تزال هي هي، فالنائب السابق إيلي الفرزلي الذي فشل في دورتين متتاليتين، يرى ان لا امل له بالنجاح بعدما غادرت السلطة السورية لبنان، فلجأ الى اثارة قضية خطيرة ما دفع القوى المسيحية الى التخبط في مشاريع يسعى كل فريق منها الى إبراز عضلاته للدفاع عن حقوق المسيحيين، فكان المشروع الذي قدّمه الفرزلي باسم "اللقاء الارثوذكسي" والقاضي بانتخاب كل مذهب لنوابه، تحت حجة ايقاف مصادرة حقوق المسيحيين القائمة حاليا.
وهل فكرة رجل النظام والمحامي المتمرس قانونية؟ بعبارة مختصرة ولتكتمل خطورته فإن طرح الفرزلي مخالف للدستور، فالنائب وفقاً لدستور الطائف يمثّل الأمة جمعاء ولا يمثل طائفته أو دائرته. أما دعوة "اللقاء الأرثوذكسي" فتجذّر الطائفية والمذهبية وتعيد لبنان 100 عام الى الوراء، ما يضرّ بمصالح المسيحيين واستقرارهم ووجودهم وحقوقهم أو بالأحرى تهجيرهم، وكأن هذه الدعوة تشكل مدخلا للتخلي عن الطائف الذي أقرّ المناصفة بين المسيحيين والمسلمين بغض النظر عن العددية.
كما أن قانون الفرزلي يفتح الباب واسعا أمام تعديل الدستور ومن ثم يطلق العنان لتعديلات قانونية تضرّ بمصلحة المسيحيين مع تضاؤل عددهم. وتصريح الرئيس سعد الحريري وغيره من القيادات الاسلامية القائل "نحن راضون بالمناصفة ومتمسكون بها وأوقفنا العدّ"، ما هو إلا إشارة الى تمسك المسلمين بالوجود المسيحي للحفاظ على الصيغة اللبنانية المتميزة، وعلى العيش المشترك.
تلك المناصفة، التي التزم بها الفرزلي إبان عهد الإحتلال السوري بالطريقة التي أرادها النظام، يرفض أن يُنصفها بعد خروج النظام على الرغم من أنه اعترف بها حين قال بأن "الدستور تحدث عن مناصفة بين المسلمين والمسيحيين"، لافتا الى أن "في لبنان لا يوجد أكثرية"، مؤكدا "عدم تمسكه بقانون اللقاء الأرثوذكسي"، وقال "أي قانون يعطي 64 نائبا مسيحيا أنا له ويجب أن نؤمن الـ 64 نائبا بقوة الدستور". ثم يعود ليؤكد أن "قانون اللقاء الأرثوذكسي هو القانون الانتخابي الافضل باعتراف بكركي والمرجعيات الدينية والزعامات المارونية لأنه يمنع سيطرة طائفة على اخرى ويحدّ من التطرف كونه يطبِّق النسبية داخل كل طائفة".
هذه التصاريح تفتح الكثير من الجدل حول غياب خوف الفرزلي على المسيحيين في السنوات العشرين السابقة.. لماذا لم يتقدم سعادة النائب، آنذاك، بمشروعه هذا الى حافظ الاسد ليضمن التمثيل المسيحي الصحيح والمشاركة المثلى؟ فهل كان رجل القرار أم رجل الإذعان للإملاءات على قاعدة "نفّذ دون أن تعترض"؟ ولماذا قرر الفرزلي، في هذه المرحلة التي ينهار فيها نظام الأسد الإبن، دغدغة مشاعر المسيحيين من كل الفئات؟
وفي السياق عينه، ما الذي منع الفرزلي من إطلاع الرأي العام على نتائج الجولة التي قام بها على عدد من السياسيين لتسويق مشروعه، خصوصا اجتماعاته برئيس المجلس النيابي نبيه بري؟ لم نعرف إن أقنع بري أو لم يُفلح كما لم نعلم إن أسمعه الأخير أسطوانة "أنا مستعدّ للموافقة على أي قانون يتّفق عليه المسيحيون" ما يعني أنه متحفّظ على قانونه! وهل أقنع الفرزلي "حزب الله"، وهو من أهل بيت المقاومة والممانعة، أن مشروعه غير طائفي ولا مذهبي بعكس قانون الدوائر الصغرى؟!
يبدو أن مشروع الفرزلي لم يقنع أحدا، خصوصا أنه لم يقم بزيارة كل من تيار "المستقبل" مثلا وحزبي "القوات اللبنانية" و"الاشتراكي" لتسويقه.. وهل كان ينتظر أن يقتنع "حزب الله" مثلا كأنه حزب علماني لا يتبع ولاية الفقية سياسيا وعسكريا! طبعا الكل رفض قانون الفرزلي بدليل أن الخلاصة كانت أنه فشل في "حشر" قوى 14 آذار خصوصا المسيحيين منهم.. وبالتالي فهو لم يتمكن من أن يبرهن كيف يكون قانون الدوائر الصغرى مخالفاً لاتفاق الطائف وقانون لبنان دائرة واحدة كما كان ينادي من صلب الطائف.