انشغلت الدولة أخيراً بفضيحة سجن رومية التي طاولت ضباطاً ورتباء وعناصر أمنية وجدوا مقصرين في حادث فرار ثلاثة سجناء، فيما لم يرف جفن أحد من المسؤولين الذين سمعوا عن وجود سجناء انتهت محكوميتهم قبل أشهر، ولايزالون نزلاء رومية، لعدم توافر المال اللازم لترحيلهم الى دولهم، ومعظم هؤلاء من الغرباء الذين ارتكبوا مخالفات طفيفة او جرائم وامضوا الأحكام التي صدرت بحقهم.
والجديد، اللافت في هذا الخصوص ان هناك سلسلة حالات مشابهة تدخلت فيها مؤسسات إنسانية دفعت مساعدات مالية لتأمين نقل السجناء المفرج عنهم الى بلدانهم، وبلغ عدد هؤلاء السنة الماضية أكثر من مئة وستين معظمهم من دول اسيوية وافريقية وأكثرية هؤلاء عملوا لسنوات في مجال خدمة المنازل ومؤسسات خاصة!
وما يثير التساؤل في هذا السياق هو تدني الأحكام القضائية بعكس المعمول به في معظم الدول، لاسيما الأحكام الصادرة بحق تجار المخدرات والمدمنين والمجرمين الذين طاولتهم أحكام قضائية مخففة لا تتناسب مع ما ارتكبوه من جرائم، فيما تأتي مضاعفة في الخارج، مع العلم ان نواباً أثاروا هذا الموضوع وطلبوا تصحيح الأحكام بما يتناسب مع الارتكابات الجرمية بلا طائل، على رغم الوعود التي يغدقها الوزراء المعنيون.
كما كان اللافت أيضا تدني الأحكام بحق المتهمين بالعمالة لإسرائيل، فيما لا تقل أحكام الخيانة في الخارج عن المؤبد والاعدام، وسبق للسياسيين ان انتقدوا ذلك من غير ان يتقدم أحدهم باقتراح زيادة الأحكام بحق العملاء لتتساوى مع مثيلاتها في الدول التي تحترّم نفسها (…) مع العلم ان سارق رغيف الخبز لاطعام أهل بيته يعاقب بالسجن لثلاث سنوات مثل مثل سارق البنك بقوة السلاح؟
هذه المساخر القضائية لم تجد الى الآن من يصححها ويضعها في قالبها القانوني – العدلي الصحيح، فضلاً عما يقال بصورة مؤكدة عن ان المداخلات السياسية مع القضاء تفعل فعلها تكراراً وليس من يقاضي المتدخل في عمل القضاء ونزاهته.
وما يؤسف له أيضاً وأيضاً ان القضاء العدلي والعسكري يكلف محامين للدفاع عن المتهمين يتعذر عليهم القيام بمهامهم من دون مقابل، او بمقابل مادي لا يذكر، مع ما يعنيه ذلك من عدم تأثر القضاء بأي دفاع قانوني مستبعد حيث لا يترافق حضور المحامي مع انعقاد جلسات المحاكمة، أقله لمعرفة نوع الجريمة وطبيعة الجرم الجنائي (…) ثم يأتي الارتكاب الجرمي الأكبر على يد السلطة التي تأمر باعتقال فلان وعلان من دون ان تقدمهم الى المحاكمة. وهذه الواقعة يضج بها سجن روميه حيث هناك عشرات من السجناء ممن أمضوا سنوات من غير محاكمة، الأمر الذي يفضح الهزال العدلي – القضائي في لبنان ومعه الهزال الأمني الذي لا يعني له شيئاً اعتقال العشرات من دون ان يتأكد من ارتكاباتهم؟
إلى هنا، لا يبدو ما حصل في سجن روميه مستغرباً، خصوصاً ان بعض نزلائه تصادموا مراراً وتكراراً مع عناصر الحمايةوالمراقبة في السجن ونالوا نصيبهم من التعدي عليهم، بينما أقدم هؤلاء على إحراق غرفهم وملابسهم لأشغال حرس السجن بعملية الاطفاء وتخليص زملائهم من الأسر (…) بعد طول مواجهة دامية!
وثمة من يجزم من العارفين بأحوال سجن روميه الداخلية، بأن أوضاعه وأوضاع السجناء في أسوأ حال تنظيمية وإدارية وصحية في وقت واحد، اضافة الى ان تنظيم الملفات الشخصية للسجناء غير متوفر في حده الأدنى، بدليل فرار سجناء من دون ان يلحظهم أحد (…).
ومن الآن الى حين تصحيح الخلل الاداري والتنظيمي في سجن روميه، سيبقى علامة فارقة بالنسبة الى الفلتان الحاصل داخله وربما في محيطه، حيث لا يعقل ان يهرب البعض منه من غير دلالات عبر ما هو مرجو في حال توفر كاميرات مراقبة وحواجز مزودة بأسلاك كهرباء تحول دون حصول أية عملية فرار في المستقبل.
وحدث ولا حرج عن انعدام توفر العلم الجنائي – النفسي في سجن روميه للدلالة على توجهات السجناء وكيفية تصرفهم بين بعضهم ومع قوى الحراسة (…).