إستهلاك انتخابي
قرأت بتمعن وهدوء خطاب العماد ميشال عون في ذكرى 13 تشرين، ذكرى هروبه من القصر الجمهوري الى السفارة الفرنسية في الحازمية إنقاذاً لحياته وحده دون عائلته من وابل قذائف الطائرات السورية التي أغارت على القصر الرئاسي الذي احتله عنوة وبلا أية مشروعية لبضع سنوات، واستذكرت في هذا الوقت العسكريين والضباط الذين قضوا شهداء على يد القوات السورية، كما استذكرت الذين لا يزالون مفقودين ورحت أفكر بوزارة الدفاع التي احتلت وسرقت كل ملفاتها وأسرارها، وكم ذهلت عندما لم أقرأ في خطاب الجنرال شيئاً كل هذا وكأن الامر لا يعنيه أو كأن المناسبة إنما استحضرت لامر آخر وموضوع آخر، ووظيفة اخرى لا علاقة لها من قريب او بعيد بالثالث عشر من تشرين، إلا بعبارات قليلة وربما نادرة جاءت دفاعاً عن سوريا وتأكيداً على التحالف معها بعدما خرجت من لبنان، منتقداً اولئك الذين يأخذون عليه المحافظة، كما جاء في الخطاب، على التزام الكلمة ــ الموقف، مع تحية خجولة لشهداء.
لكن اللافت ان الجنرال قفز فوق كل تلك المحطات، ليصل الى اواخر نيسان من العام 2005 ليستفيض كعادته في التفسير والتضليل ليوحي لجمهوره بأنه يخوض معركة اسقاط التبعية للمملكة العربية السعودية والادارة الاميركية و>الذي قوّض استقلال لبنان>، ويدافع ضمناً عن التدخل السوري والايراني في شؤون لبنان الداخلية من خلال دفاعه علناً عن تحالفه مع حزب الله الذي يفتخر امينه العام بانتمائه الى ولاية الفقيه، ولا يخفي طبعاً تحالفه مع سوريا على حساب استقلال لبنان وسيادته وحريته، لان سوريا تجاهر بعدم اعترافها بهذا الاستقلال وهذه السيادة.
ولا ينسى الجنرال كعادته في كل اطلالة له محاولة النيل من الرئيس فؤاد السنيورة، وتصويره لجمهوره بأن الأسوأ بين رؤساء الحكومات التي عرفها لبنان، وهو يعلم، كما يعلم حلفاؤه الذين سعى لإرضائهم في كل كلمة من خطابه، ان الرئيس الافضل والاهم الذي مر على لبنان بعد الرئيس الشهيد رفيق الحريري، إن بصموده الاسطوري في وجه كل الضغوطات القاسية أو بحرصه على وحدة الدولة، او بدفاعه عن المقاومة في كل مكان ومناسبة او بمواقفه وسياسته العامة، وهذا ما يشهد به العالم بأسره ملوكاً ورؤساء ودول ورؤساء حكومات ومحللين.
لا نرغب الدخول في جدال عقيم مع الجنرال حول السرد التاريخي المزور الذي حاول من خلاله الاساءة لثورة الارز وقوى 14 آذار، فهو مغدور في كل المغالطات والاخطاء التي ارتكبها لانه اراد استعادة جمهوره الذي يتناقص قبل الانتخابات النيابية، كما لا نرغب في مناقشة كل ما تناوله في هذا الخطاب، لاننا نعرف مدى حاجته الى رفع سقفه او بالاحرى نعرف اسلوبه وطريقة خطابه للجماهير، لكننا نقول له بكل صراحة وصدق وإخلاص بأنه لم يكن موفقاً في سرده وثانياً لم يقنع مقنعاً لا في هجومه على المملكة العربية السعودية ولا على الرئيس السنيورة، ولا على قوى الاكثرية، وإن حاول كعادته قلب الحقائق وتزويرها.