#adsense

“المهمة الأخيرة”

حجم الخط

إحترت في قراءة مشهد وداعك المهيب بالأمس أيها الوسام. ما عدت أميّز، هل كان لبنان يودعك، أم أنك أنت كنت تستودع الله لبنان الحبيب وشعبه الطيب الذي أحببته وحميت أمنه حتى آخر قطرة من دمك؟

أعترف يا وسام أنني كنت عاجزاً عن فهم ما في وجوه أركان الدولة أمس، هل كان الألم يلف الوجوه الواجمة حزناً عليك، أم خوفاً على أمنهم وأمن البلد من بعدك؟ رفاقك ومحبوك أيضاً بدوا أمام مشهد لم يتوقعوه قطعاً. كانت المصيبة أكبر من قدرتهم على الاحتواء. كان مصابهم أعظم من كلمات اختنقت في حناجرهم، وأعظم من عبراتهم المنسكبة وهم يواسون بعضهم بعضاً، ويرددون عبارة واحدة "راح وسام".

اختلف صباح المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي أمس عن باقي الأيام، فأمام باب المبنى الذي يقع فيه مكتبك، حيث اعتدت دخوله كل صباح وأنت تلقي التحية على الرفاق وتبادلهم المودة بابتسامتك المعهودة، كان موعد اللقاء من أجل الوداع الأخير، وكان الحزن أثقل من قدرة الضباط على تنظيم حفل الاستقبال والوداع، لأن الاستقبال والوداع مختلفين هذه المرة عن كل المرات، رغم أن رفيق دربك اللواء أشرف ريفي، بدا متماسكاً أمام هول المصيبة، متعالياً على الجراح، مصمماً على متابعة المسيرة وطمأنة اللبنانيين، يعاهدك ويعاهدهم حماية المشروع الذي قضيت شهيداً من أجله.

صدقاً لم أتوقع يوماً أن الرجل الذي جعل من لبنان قضيته وحماه بأشفار العيون، سيصبح قضية لبنان الأولى. نعم لقد أصبحت قضية لبنان الأولى بكل المقاييس، في الأمن والاستقرار وفي السياسة وفي الاقتصاد وحتى في الإنسانية.

الخطوات التي سارت في جنازتك من مستشفى "أوتيل ديو" إلى مقر قوى الأمن بدت ثقيلة، على من كان ينتظر قدوم نعشك مع رفيقك للقاء الوادع، بقدر ما بدت سريعة جداً جداً على من لم يشبع بعد من هذا اللقاء، كيف لا وأنه لا لقاء بعد اليوم.

صحيح أن مشهد الدولة تلتف حول نعشك كان أكبر من الوصف. وكيف لا يكون ذلك وأنت صاحب الفضل على الدولة ومن يتربع الآن على كراسي عرشها. كما كنت صاحب الفضل في حماية ربما من قتلك أو غطاه من أهل "الممانعة" وملحقاتها.

أما المشهد الذي كان أكبر من أي وصف وأصعب من أي تصوّر، فكان وجود زوجتك المجروحة وفلذتي كبدك المفجوعين ووالديك المثكولين.. كانت دموع مازن ومجد أقسى من قدرة الحاضرين على تحملها. بالأمس كنت أنت لبنان وكان لبنان أنت يا وسام.

مرّة كانت مسيرة تشييعك أيها القائد البطل، الشوارع التي سلكها موكب جنازتك المهيب بدت قلقة، حذرة، متوجسة، مقفرة، فالذي كان يحمي أمنها ويجنّبها حلقات التفجير وضروب الإرهاب، يعبرها شهيداً بعد أن نالت منه أيدي الغدر والإرهاب، أيدي الحقد والظلم، أعداء الحياة، وبعد أن تمكن من هامتك عشّاق الدم والموت، الذين ينتشون على دموع الأطفال الأيتام وأنين الأرامل والثكالى.

لا شكّ في أن روحك الطاهرة التي ترفرف فوق نعشك، كانت تراقب عشرات آلاف الوافدين الى ساحة الشهداء للمشاركة في تشييعك من الشمال الغالي والجنوب الصامد، والبقاع الأبي والجبل الأشمّ وبيروت الصابرة، وترصد الأيادي المتدافعة لرفع نعشك ونعش رفيقك على الأكفّ، علّهم يوفوك بعضاً من تضحياتك في سبيل حياتهم، وحياة مئات العكاريين والشماليين الذين كانوا على قائمة عصابة ميشال سماحة وعلي مملوك وأسيادهما في دمشق وشركائهما في الداخل.

لبنان بعد استشهادك لن يعود كما قبله يا وسام، المعادلة تغيّرت.. نعم تغيّرت، بعدما أسقط الجناة المجرمون كل الخطوط الحمر، واستباحوا كل المحرمات، ونكثوا بالوعود والعهود، وبعدها أصروا على استكمال مشروع المواجهة بالدم بدءاً بتحليل دماء الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وصولاً الى استباحة دمائك وما بينكما من قافلة الشهداء الأحياء منهم والأموات.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل