#dfp #adsense

إستقِل نجيب ميقاتي

حجم الخط

ما قبل التشييع ليس كما قبله. قوى 14 آذار، وعبر الرئيس فؤاد السنيورة، قالت كلمتها ومشت: «لا حديث قبل رحيل هذه الحكومة، ولا حوار على دم الشهداء، وعلى دماء اللبنانيين»، وتوجهت إلى رئيس الحكومة بالقول: «أخرج يا ميقاتي، أخرج يا ميقاتي، أخرج يا ميقاتي، الآن انت المسؤول، الآن انت المسؤول، الآن انت المسؤول» .

مع اغتيال اللواء وسام الحسن دخلت البلاد مرحلة جديدة. لم تعد الأمور تحتمل التسويف والمماطلة، أو الاستمرار وكأنّ شيئا لم يكن. الاغتيال خط أحمر، والسكوت عن هذا المسلسل الإجرامي جريمة بحد ذاتها. قوى 14 آذار التي ارتضت، طوال الأشهر الماضية الممتدة من إسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري إلى اليوم، اعتماد السياسة الانتظارية لم تعد في هذا الوارد، لأنّ استمرار الأمور على هي ما عليه يعني نهايتها ومغادرة كل قياداتها البلاد، باعتبار أنّ اليد القادرة على الوصول إلى الحسن باستطاعتها أن تقتل مَن تريد ساعة تشاء. المدخل الوحيد لإعادة التوازن إلى المشهد السياسي-الأمني يكمن بإسقاط الحكومة. ولكن هذا لا يعني أن إسقاطها هو الهدف الاستراتيجي، هذا الهدف المتمثّل برفع الهيمنة الإيرانية عن لبنان، إنما إسقاطها يشكّل خطوة تعويضية ضرورية ليس لقوى 14 آذار، بل لهيبة الدولة في لبنان.

فرئيس الجمهورية ميشال سليمان الذي دعا في تشييع الحسن السياسيين إلى "جعل رجل الأمن والقاضي يشعر أنّه مغطى فعلياً والمجرم غير مغطى"، لا يمكن لدعوته أن تستجاب في حال لم تسقط الحكومة، لأن رجل الأمن لن يشعر، بكل بساطة، من الآن وصاعدا أن باستطاعته ممارسة مهامه الأمنية بتعقّب المجرمين وإفشال المخططات التفجيرية والإرهابية في الوقت الذي يقتل فيه مسؤول أمني كبير ومن دون أن يرفّ للحكومة جفن. فرجل الأمن الذي كان، على سبيل المثال، يرى بالحسن مثالاً له، سيعتبر أن الاقتداء به سيقود حكماً إلى استشهاده في ظل موقف للحكومة غير مبال، ويوفر بشكل ولو غير مباشر التغطية للمجرمين، ما سيدفعه إلى الانكفاء والتسليم بالأمر الواقع.

وما ينطبق على رجل الأمن ينسحب على القضاة، فأيّ قاض سيتابع التحقيق في ملف سماحة-المملوك بعد اغتيال الحسن في حال لم تسقط الحكومة؟ فهذا القاضي أو ذاك سيعتبر تلقائياً أنه سيلقى مصير الحسن نفسه، وبالتالي سيتجه بأقل تقدير إلى طَي هذا الملف، فيما سقوط الحكومة أو إسقاطها سيعطي جرعة دعم للقضاة والأمنيين بأنّ المجرم سيلقى عقابه والأمور ليست سائبة واستهداف الدولة لا يمر مرور الكرام.

فالطريق الأقصر لدعوة رئيس الجمهورية تمرّ بإسقاط الحكومة، وأي كلام آخر يعني نهاية ما تبقى من هيبة للدولة اللبنانية التي ستدخل في شلل ما بعده شلل. ولا يكفي أن يقول سليمان إن "الاغتيال موجه للدولة وإن المقصود به اغتيال الدولة"، إنما يقتضي اتخاذ الخطوات اللازمة التي تمكّن هذه الدولة من استعادة هيبتها، وبالتالي على رئيس الجمهورية الذي أعاد في الآونة الأخيرة للرئاسة الأولى وَهجها وحضورها ألّا يشكل غطاء للحكومة، خصوصاً بعد محاولة رئيسها التلطّي وراء رئيس الجمهورية بالقول إنه وضع الاستقالة بتصرفه، هذا الكلام الذي نفاه سليمان أمام كل من اتصل به مستوضحاً. فالرئيس الماروني لا يمكن أن يضع نفسه في مواجهة الشارع السني الغاضب من ميقاتي لتغطيته ارتكابات النظام السوري وحليفه الإقليمي وأدواته المحلية.

الغضب السني لا يمكن توصيفه، وكأنّ قدر هذه الطائفة أن تذهب خيرة قياداتها اغتيالاً من الرئيس رياض الصلح إلى الرئيس رفيق الحريري، وما بينهما المفتي حسن خالد واللواء وسام الحسن. فمحور الممانعة وبدم بارد شطب في العام 2005 بطريرك السنة في لبنان والعالم العربي، واستكمل فعلته اليوم بشطب العقل الأمني-السياسي، في رسالة واضحة أنه ممنوع على هذه الطائفة أن تتحرر من القبضة السورية وكل من يتجرّأ على النظام البعثي مصيره القتل.

فلا يكفي أنّ ميقاتي وصل إلى رئاسة الحكومة بقرار من طهران ودمشق والضاحية الجنوبية ضد بيئته وأهله وشعبه وناسه وبلده، ولكن إذا به يستمر في موقعه بعد اغتيال الحسن، وهو يدرك تماماً أن الذي أوصله إلى هذا الموقع مسؤول عن هذا الاغتيال، كما أن ربطه الاغتيال بملف سماحة-المملوك يعني إقراره بسقوط سياسة النأي التي أعلنها نتيجة إعلان النظام السوري المواجهة مع لبنان.

لقد أحسنت قوى 14 آذار بتحميل ميقاتي مسؤولية دماء الحسن ورفيقه وشهداء الأشرفية، وهو سيتحمّل أيضا مسؤولية كل قطرة دماء ستسقط نتيجة تمسّكه بالموقع الذي أوصله إليه "حزب الله". فقوى 14 آذار لن تتراجع عن موقفها الرافض أي حوار من أي نوع وتحت أي عنوان قبل خروجه من السراي الحكومي، وبالتالي الأمور تتجه إلى مزيد من التصعيد في الشارع وتوتير سياسي لا يمكن تقدير سقفه أو حدوده، والمخرج الوحيد لتنفيس حال التعبئة والاحتقان يكون بإعلانه الاستقالة، وإلا سيعتبر مكلفا عن جَد بسَورنة لبنان عبر إحراقه وإشعال أرضه لمجرد استمراره في السلطة خدمة لمآرب المشروع الممانع.

لم نكن نتوقع في أي لحظة الوصول إلى درجة الترحّم على الرئيس عمر كرامي الذي تصرف كرجل دولة بالاستقالة لحظة تحميله السيدة بهية الحريري دماء الرئيس رفيق الحريري، والكلّ يعلم أن النظام السوري لامَه على هذه الخطوة المتسرعة وغير المنسّقة، كونه فعلياً استقال من دون أن يرفع سمّاعة الهاتف ليطلب إذناً من أحد، فيما ميقاتي لا يقطع شاردة أو واردة إلّا بأمر من حارة حريك، وهذه إهانة لرئاسة الحكومة وهيبتها وكل رجالاتها.

كيف يقبل رئيس الحكومة على نفسه أنّ عائلتي الشهيدين في المديرية العامة لقوى الأمن رفضتا الوقوف احتراما له، فيما كان تصرفهما مختلفا مع رئيس الجمهورية؟ وألا يستدعي ذلك استقالته لحفظ مكانة رئاسة الحكومة؟ ومن ثم لا يجوز تشبيه توجّه جمهور غاضب بعد التشييع إلى السراي ومحاصرتها من قبل "حزب الله"، لكن الفارق بين المحطتين مختلف تماما. ففي زمن السنيورة كان قاطن السراي يعبّر عن وجدان السنة وتطلعاتهم، وهو محاصر من قبل الحزب الذي كان يريد إسقاطه للإتيان بشخص تابع له، فيما قاطن السراي اليوم لا يمثّل السنة الغاضبين من احتلالها من قبل محور الممانعة.

وأما الكلام عن الاستقرار الذي ترفعه بعض الدول الغربية فأسقطه "حزب الله" بنفسه عبر ثلاثة أحداث في أقلّ من أسبوعين: التورط في الأزمة السورية الذي يفضي إلى تصديرها للبنان، إرسال الطائرة إلى إسرائيل الذي يؤدي إلى استجلاب حرب إسرائيلية، واغتيال وسام الحسن الذي هدد الوحدة الداخلية

بالانفراط وحوّل الصراع السياسي من موالاة ومعارضة إلى مواجهة نضالية لإسقاط الهيمنة الإيرانية عن القرار السياسي اللبناني.

لقد أعلنت 14 آذار نوعاً من عصيان مدني غير معلن، فهي علّقت المشاركة في أي حوار سياسي، كما علّقت المشاركة في اللجان النيابية، وهي لن تسمح بعودة الحياة إلى طبيعتها ببحث قوانين انتخابية وما شابه قبل إسقاط الحكومة. والتشاور الذي ينوي رئيس الجمهورية القيام به مرحّب فيه بعد رحيل الحكومة. ثمّة محاولة خبيثة لامتصاص نقمة الشارع مستندين إلى تجارب سابقة فاشلة على أثر تكليف ميقاتي، ولكن ما لا يدركونه أنّ الزمن تغير، كان يفترض أن يقرأوا جيدا ما حدث في طرابلس وعكار عندما حاولوا تدجينهما وضرب هاتين البيئتين الحاضنتين للثورة السورية. لقد فوّت ميقاتي على نفسه خروجا مشرفا من الحكومة. اللحظات التاريخية تتطلب رجالا استثنائيين، والمرحلة لم تعد تحتمل وسطيين، فلا مكان للوسطية، كما قال الشيخ سامي الجميل، وبالتالي على سليمان وميقاتي وجنبلاط أن يحزموا أمرهم سريعا، لأنّ الاستمرار في الحكومة يعني تغطية القتلة والمجرمين.

ويبقى أن اغتيال الحسن أعاد تسليط الضوء مجددا على ملف مطار بيروت، إذ لا يعقل أن يتم اغتيال انطوان غانم وجبران تويني ووسام الحسن بعد أقل من 24 ساعة على عودتهم إلى لبنان عبر هذا المطار. وبالتالي، لم يعد جائزا التغاضي عن إعادة الحياة إلى مطار الرئيس رينيه معوض الذي بات بمثابة الحياة أو الموت.

إن العنوان الذي وضعته 14 آذار للمرحلة هو أقل الممكن، وبالتالي الأمل أن تتم ملاقاتها في منتصف الطريق وإلّا ستنزلق البلاد إلى ما لا تحمد عقباه وسيتحمل رئيس الحكومة مباشرة كامل المسؤولية.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل