#dfp #adsense

جنيفر وجورجيت والاشرفية… ومن التالي؟ (بقلم فيرا بو منصف)

حجم الخط

جنيفر شديد تتماثل للشفاء. طفلة السنوات العشرة. الاسم ليس رناناً، لا أحد يعرف الطفلة ولا من سمع بها من قبل. الآن هي بطلة. بطلة الزجاج المحطّم المغروز في جسدها الطري كالتراب الذي يغمر الارض. زجاج الاشرفية المحطّم زُرع في جسم جنيفر لتحصد عصارة الالم والتجاهل. هي واحدة من أكثر من 100 جريح توزعتهم المستشفيات، وتناثروا بين ركام الاشرفية. الاشرفية ركام كلها. الاشرفية دمار. كلها. لم نستشهد جميعنا لكن في كل واحد منا قطعة شهيد، وبقية الاعضاء جريحة تنزف الدمع والدم. ولا تسألوا، لا تسألوا عن الغضب…

جنيفر تمثّل اليوم جسمنا الجريح المضرّج. هي في العناية الفائقة، نحن كذلك. وجميعنا صرنا برسم المجرمين. هم الوافدون الينا من شوارع وولايات هجينة سوداء غريبة، بيرقها الموت واولى مبادئها تقطيع أوصال البشر لتحقيق الهدف الاكبر، مشروعها الأكبر. هؤلاء هم كبار القوم في لبنان، هؤلاء الذين يختبئون خلف الله ويرسمون مصيرنا، نحن البشر العاديين. هؤلاء رسموا مصير جنيفر وكل اؤلئك الذين صاروا ترابا تحت التراب، ومن هم أشباه أحياء فوق التراب.

لم تكن تعرف جنيفر ان لديها عدواً. هي في العاشرة ولم تنضج كفاية بعد لتكره أو تواجه او لتصنّف الناس من حولها من هم الاعداء ومن هم الاحباء. هي تعرف انها تحب الجميع وان الكل يحبها. هي تحمل حقيبة المدرسة وتذهب سعيدة مبتسمة، لتعود وترتمي في حضن امها وأبيها. هذه هي الحياة في عيون جنيفر، لكن فجأة انتصب في وجهها شيطان موت لا يقبل بأقل من تقطيع الشرايين والاطراف ليملأ كأسه ويرتوي من دماء الابرياء. تحطمت الاشرفية فوق جسد جنيفر النحيل الطري، ووقفنا كلنا هناك، في العناية الفائقة، الى الباب ننتظر مصير جنيفر ونراقب موتنا المحتّم.

قبل ساعات شيّعنا موتنا الاخر. كان نعش وسام الحسن ورفيقه، وكان نعش أبيض آخر يخترق بصمت مروّع شوارع الاشرفية، نعش جورجيت سركيسيان ولا ندري نعش من بعد سينضم الى القافلة. هو تشرين النعوش يمطر من جديد. نحمل النعش ونحن فيه، نشيّع الشهداء ونحن في قلب النعش، نقف الى أبواب المستشفيات ونحن المضرّجين بدم الالم والخوف. من سينزع زجاج الاشرفية من جسد جنيفر؟ من سيعيد وصل شرايينها المقطّعة ورجلها ويديها ووجهها البرىء الذي صار مشوها مدمما؟ والسؤال الدائم: من التالي؟

قبل 10 أعوام تيتّم جاد وياسمينا رمزي عيراني. ومنذ تشرين الأول 2004 وحتى الأمس يتيتّم أطفال كثر. أولاد جورجيت سركيسيان أصبحوا بلا حضن دافء محب. البعض يسأل: من يعيلهم بعد اليوم؟ لكن السؤال الأخطر هو: من هم الأولاد الذين سيأتي دورهم غدا؟ والأهم هو كيف السبيل الى وقف مسلسل تيتيم الأولاد؟ كيف السبيل الى وقع سلسلة القتل والتفجير الإرهابية؟ إذا كان أولاد جورجيت باتوا يقلقون على مصير غدهم، فإن كل الأولاد لم يعودوا يأمنون على أنفسهم وذويهم وهم في منازلهم. اين يلعبون؟ وهل بات الحطام لعبتهم الدامية؟

نحن في قلب النعش نشيّع أجسادنا. نحن الى باب العناية الفائقة نحمل الابرة والخيط ونربط ما تبقى من الشرايين، ولا من يبلسم ولا من يبكينا، فهل تسألون بعد عن ثورات الغضب والقهر والدمع؟ أساسا من له الحق بعد في السؤال؟ عندما تدخلون مثلنا النعوش لتراقبوا موتنا وموتكم، تصبحون منا، تصبحون جورجيت، عندما تحملون اشلاءكم وتقفون الى أبواب العناية الفائقة تخيطون الشرايين المتفلتة تصبحون جنيفير، عندذاك يحق لكم السؤال عن الغضب والدمع والمصير والثورة والحزن وما تبقى أو قد يتبقى بعد من الفرح والرجاء…جورجيت لن تعود، والمستشفى هي الآن بيت جنيفر، وبيت الاشرفية كما سواها من المناطق، صار بلا زجاج وبلا حيطان ولا أبواب، كلنا حطاما في لبنان ومنازل بلا حماية، وحده، وحده أبو الخيمة الزرقاء يظلل ما تبقى فينا من ايمان وأمل بالغد، وان كان أمل مزعزع مزغول مشوّش ليس لان الله ليس معنا، هو معنا في كل ثانية، ولكن لان أبناء الارض، هذه الارض ليسوا مع الله…

اما لجنيفر نقول انت وجه لبنان الاخر، روحك هي البراءة ولكن شاؤوا ان يشوّهوا الوجه الجميل… لا يكفي أن نكون معك ولا يهم أساسا لان يسوع بالتأكيد هناك، يحوم حول السرير الجريح، ويمشح الاشرفية وكل المجروحين بروح الرجاء، وهذا ما يكفيك ويكفينا.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل