#adsense

في الحوار وأهله..

حجم الخط

كانت السالفة السابقة تقول إنّ الحوار في ذاته ولو امتدّ لأشهر وسنوات، يبقى أفضل من ساعة مواجهة واحدة في الشارع.. لكنها سالفة صارت، أو تكاد، شبيهة بسالفة الفن للفن: وجوده لذاته وليس لأي هدف، وحضوره أحياناً مثل عدمه.

والحال، إنّ لبنان في ذاته تلخيص خلاّب للحوار الدائم بين متنوّعين في الدين والسياسة والأهواء وربما الهويّات. ثم بعد ذلك هو تلخيص محزن ومكثّف لانقطاع تلك المكرمة وتراجع ثقافة الوصل لحساب ثقافة القطع والإلغاء والاستئصال المتدرّج، أو بمعنى واقعي أكثر، لثقافة الهيمنة أو محاولاتها.

أنتجت ثقافة الحوار تسوية ركيكة سُمِّيت دولة. وأنتج الانقطاع حروباً فظيعة كان جلّ طموح روّادها إنتاج دويلات خاصة بديلة عن تلك التسوية وكيانها الجامع.. غير أنّ جموح التمايز والتبرّم من الآخر، وضيق الصدور من الخلاف في الرؤى والرؤية، وفي الهوى والهوية الطائفية والسياسية والعقيدية، ضرب قوسه بعيداً، وأخذ في طريقه طموحات الحكم الذاتي، بعد أن تبيّن بالتجربة (الدموية دائماً) أنّ قانون التفتيت لا حدود له. يبدأ بالكيانات العامّة ثم ينخر عميقاً في الذوات الخاصة: صار "عدوّ" كل طائفة في داخلها. و"عدوّ" كل منطقة ضمن "حدودها". وتناسلت الكوارث وصولاً إلى أوّل المجتمعات وأصلها، أي إلى العشيرة ذاتها!

صعب في الإجمال وفي التفاصيل، معاينة حالة شبيهة بالتجربة اللبنانية لجهة المدى التفتيتي الذي أنتجته.. حتى سوريا ليست في ذلك الوارد، رغم "المنطق"، والحضور المذهبي، والجغرافية، والعوائل وامتداداتها و"إنجازاتها".. غير أنّ الدائم المفجع في حالتنا ليس ردّ الفعل القاطع للحوار، إنّما الفعل الأوّل المؤسِّس لتلك النتيجة والمستعيد مدوّنة الأوهام المألوفة، والسائر على هديها.

.. التسوية صعبة لأنّها نتاج حوار بين مختلفين.. ولأنّها قبل ذلك وليدة قناعة متبادلة بضرورات التراخي والتنازل والتراجع. ولأنّها فوق هذا وذاك، وقبل كل شيء، نتيجة حتمية لقناعة المتحاورين بالضرورة الوجودية للآخر.عندما تنكسر المعادلة في أي من أسسها، يصبح الأمر عبثاً صافياً: لا يركب حوار مع اليقينيات و"المقدّسات". ولا يستطيع فريق أن يلغو بالفكرة في شكلها وينسفها في جوهرها.. يأتي "للمعاينة" أكثر مما يأتي لمداراة الخواطر والهواجس والاستماع إلى الآراء المختلفة وأسباب اختلافها.. يغيّر مكانه ولا يغيّر بيانه. ويغيّر لسانه ولا يغيّر نهجه. وفوق كل ذلك، لا تعني له شيئاً "هوامش" الأرض طالما أنّ السماء سقفه!

في اختصار الضنى يُقال مجدّداً، إنّ الحوار مستحيل مع العبوة الناسفة! وإن كانت هذه في ختام فصلها لا تغيّر في يقينيات الآخرين ومقدّساتهم أي شيء! ومعضلة أهل الممانعة عندنا، أنّ الغرور ضرب في رؤوسهم إلى درجة العمى عن رؤية الآخر كما هو وليس كما يريدونه هم، فكيف لهم بعد ذلك أن يقبلوا به، قبل أن يدخلوا معه في حوار ينتج تسوية، ولا يكون محطة استراحة بين جنازة وأخرى؟!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل