#adsense

لبنان لم يحكمه كوندومينيوم سوري – سعودي

حجم الخط

لبنان لم يحكمه كوندومينيوم سوري – سعودي

عشية الذكرى الثامنة عشرة للقضاء على "تمرّد" العماد ميشال عون على السلطة الشرعية المنبثقة من اتفاق الطائف الذي توصل اليه البرلمانيون اللبنانيون في المملكة العربية السعودية بدعم مباشر منها وبرعاية من الولايات المتحدة والمجتمع الدولي، القى عون بعد ظهر السبت الماضي خطاباً في كوادر "التيار الوطني الحر" الذي اسسه وتزعّمه نأخذ منه مقطعاً مهماً هو الآتي: "اتفاق الطائف كان قد وضع لبنان في ظل كوندومينيوم (حكم ثنائي) سوري – سعودي برعاية اميركية. ما حصل عام 2005 لم يكن سوى انسحاب البعد الامني من المعادلة وبقاء التبعية السياسية للمملكة العربية السعودية والادارة الاميركية. فكان الخلل الكبير الذي قوّض استقرار لبنان مجدداً".

لماذا اختيار هذا المقطع من خطاب "طويل – عريض" لزعيم مسيحي لا تزال شعبيته واسعة وربما اوسع من شعبية الزعامات المسيحية الاخرى مجتمعة او منفردة، على الاقل حتى الآن، ورغم استغراب قسم مهم منها مواقفه المتنوعة داخلياً واقليميا والانزعاج الذي سببته لقسم آخر؟

اقتصار الاختيار على المقطع المذكور مرده الى عدم رغبة في انتقاد سياسات "الجنرال" عموماً والسجال معه، ومن رغبة في لفت انصاره الذين لا يناقشون ما يقول بل يقبلونه على علاّته احياناً واخصامه الذين يرفضون ما يقول على حسناته احياناً، الى ان مضمون المقطع لا ينطوي على شيء من الحقيقة او بالاحرى ينطلق من قسم من حقيقة معينة ليصل الى ما يبتغيه من ترويج لسياسته الداخلية والعربية والاقليمية والدولية. وعمل كهذا يشبه الى حد بعيد العبرة بالتاريخ لمصالح معينة كي لا نستعمل عبارة اخرى. ولا يمكن ان يتذرع من قام به بجهله تاريخ لبنان وخصوصاً في تلك الفترة وفي السنوات التي تلتها ذلك انه كان قلب الحدث ثم صار في قلبه واستمر في هذا الموقع اولا في منفاه ولاحقاً في لبنان.

ولئلا يبقى هذا الكلام من دون اي سند، يقول الذين عاصروا مرحلة وضع اتفاق الطائف وبدء تطبيقه برعاية سورية مباشرة انتهت عام 2005 بانسحاب الجيش السوري من لبنان بعد انتفاضة شعبية عارمة، ان اتفاق الطائف وُضع يوم كانت سوريا والمملكة العربية السعودية على علاقة جيدة مع اميركا رغم اختلاف نوعية جودة هذه العلاقة واسبابها. وان المملكة رعت توصل اللبنانيين اليه مباشرة باجتماع نوابهم على اراضيها خريف 1989، وان سوريا رعته على نحو غير مباشر عبر الموفدين السعوديين اليها واللبنانيين. وهو ما كان ليرى النور لولا نزول المملكة واللبنانيين، بناء على طلبها عند شرط او شرطين وضعهما الرئيس الراحل حافظ الاسد يتعلقان بتخفيف شروط الانسحاب العسكري السوري من لبنان أو بجعل شروطه غامضة.
ويقول معاصرو المرحلة اياهم ايضاً ان اتفاق الطائف لم يضع لبنان في ظل كوندومينيوم سوري – سعودي (حكم ثنائي) او لم تكن هذه نيات لبنان ولا نية رعاته من عرب واميركيين. بل كلف الرعاة سوريا الاقرب جغرافياً الى لبنان وذات العلاقة مع مكوناته الشعبية المتنوعة والمتناقضة والمتحاربة، وضع حد للحرب فيه ومساعدة ابنائه على اعادة بناء مؤسساتهم الدستورية والعسكرية والامنية والادارية وعلى تنفيذ اتفاق الطائف باصلاحاته تلافيا لنشوب حرب او حروب لاحقة. وكلف المملكة وعرباً آخرين مساعدة لبنان على القيام من محنته وحروبه بالدعم المالي والمساندة السياسية بالتنسيق التام مع سوريا. ويقول المعاصرون اياهم ثالثاً ان لبنان الدولة المنبثقة من الطائف قامت شكلا لكنها لم تحكم نفسها ولم يحكمها "ثنائي سوري – سعودي" بل حكمتها سوريا منفردة بعدما استكملت السيطرة على كل مؤسساتها، او بالاحرى بعدما وجهت اعادة بنائها على نحو يخدم اهدافها ومطامحها اللبنانية. وابعدت عن لبنان كل نفوذ عربي آخر، وخصوصاً سعودي، وسمحت فقط للعربية السعودية بتقديم المال والمساعدات عند الحاجة. وكان ثمن ذلك استمرار علاقتها السورية جيدة. وكان ذلك ممكنا لان علاقة الدولتين مع اميركا كانت لا تزال جيدة ولان المواجهات بين سوريا واميركا بسبب حرب العراق والملف النووي الايراني لم تكن بدأت بعد.

ويقول المعاصرون اياهم رابعاً، ان مسؤولية عدم تولي اللبنانيين حكم انفسهم تقع عليهم بسبب تشرذمهم. لكنها تقع ايضاً على سوريا التي لم توفر وسيلة لابقائهم متناقضين وتالياً محتاجين الى وصايتها بل الى حكمها.

ويقولون خامساً، ان استقرار لبنان لم يتقوّض بسبب انسحاب سوريا عام 2005 منه والخلل الذي احدثه في "الحكم الثنائي" المزعوم، بل تقوّض لأنه اساساً كان هشاً. ذلك ان اللبنانيين او قسماً مهماً منهم لم يقبلوا وصاية سورية منفتحة على الحاق بلادهم بسوريا مباشرة او مداورة. وقد قاوم بعضهم ذلك ومنهم انصار "الجنرال" المنفي "بطل التحرير" كما كان يوصف. وتقوّض لان سوريا لم تساعد على قيام دولة مستقرة، وعلى ازالة التناقضات بين الشعوب اللبنانية فاستمرت الرهانات المتناقضة لهذه على الخارج المتنوع. وطبيعي الا ينتج ذلك استقرارا. وتقوّض الاستقرار قبل 2005 عندما حاولت سوريا الانتقال من الوصاية الى الحكم المباشر غير المقبول، وعندما قامت معارضة عابرة للطوائف ضدها وافسح ذلك في مجال بدء محاولات الاغتيال ولاحقاً الاغتيالات.

وانفتح الباب امام التقويض الكامل للاستقرار بعد خروج سوريا من لبنان عام 2005 ذلك ان احدا لم يكن يتوقع سكوتها مباشرة او عبر حلفائها عما حل بها في لبنان، كما ان احداً لم يكن يتوقع تراجع اللبنانيين الذين فرضوا عليها الانسحاب وكذلك حلفائهم من عرب ومجتمع دولي. وتجدر الاشارة، يضيف مناصرو مرحلة وضع اتفاق الطائف وما قبله وما بعده، الى ان سوريا مارست السياسة نفسها منذ قمتي الرياض والقاهرة اواخر عام 1976 اللتين قررتا ارسال قوة ردع عربية الى لبنان لوقف الحرب فيه وكان الفلسطينيون طرفاً اساسياً فيها. ذلك انها، بعد فترة وجيزة، "حملت" بطريقة او باخرى القوات العربية وكانت رمزية (سعودية واماراتية ويمنية) على الانسحاب من لبنان، كما استعملت العنف الذي لم تكن بعيدة عنه لإلغاء اي نفوذ عربي او اجنبي في لبنان وخصوصاً اذا كان مصرياً او سعودياً او اميركياً او اوروبيا. ولم يعنِ ذلك آنذاك ان سوريا كانت على عداء مع كل هذه الدول. بل عنى امراً واحداً، هو ان الدولة القائدة والسيدة، أي سوريا، هي التي تتعامل مع الدول الخارجية، من شقيقة واجنبية، لا الدولة الجرم التي تدور في فلكلها والتي تدار على نحو يجعلها جزءاً ملحقاً بهذه الدولة القائدة في وقت قريب.

في النهاية ما يلفت هو ان الذين ردوا على خطاب "الجنرال" في الذكرى الـ18 لازالة "تمرّده"، وهم كثر، اغفلوا مقطع "الحكم الثنائي" على كونه الاهم فيه وانشغلوا بمقاطع اخرى اقل اهمية.

المصدر:
النهار

خبر عاجل