#dfp #adsense

استقلاليون لا وسطيّون

حجم الخط

المطلوب في لبنان استقلاليّون لا وسطيّون، والفارق بين المصطلحين كبير جداً. فالوسطية، انطلاقاً من التجربة والممارسة، هي كناية عن تموضع شكلي يصبّ في الجوهر في مصلحة الفريق الأقوى على الأرض بفعل تأثرها وخضوعها لموازين القوى القائمة. فالرئيس ميشال سليمان، وعلى رغم وضوح مواقفه ومساره منذ خطاب القسم إلى اليوم، لم يلجأ إلى خطوات عملية تضعه في تناقض مع "حزب الله"، وتمايزه عن الحزب لم يتجاوز وجهات النظر السياسية عبر تسجيله المواقف التي تعبّر عن قناعاته الفعلية، ولكنه لم يذهب أبعد من ذلك.

وما ينطبق على سليمان ينسحب على الرئيس نجيب ميقاتي والنائب وليد جنبلاط. فالأول يندرج تمايزه في سياق توزيع الأدوار بينه وبين الحزب. والثاني اختار الهروب إلى الأمام في الهجوم على النظام السوري بسقف لم تجرؤ قوى 14 آذار على ملامسته، ولكنّ هذا الموقف في الواقع لا يقدِّم ولا يؤخِّر، لأنّ ما يهم الحزب عملياً هو استمرار وزراء الاشتراكي في الحكومة، والباقي تفاصيل.

فالوسطي تعريفاً يجب ألا يكون مقيدا بأي اعتبار وأن يتصرف بوحي قناعاته وليس حسابات الربح والخسارة أو ردة فعل هذا الفريق عسكريا وذاك الفريق انتخابيا. فاغتيال بحجم اغتيال الشهيد وسام الحسن كان يستدعي استقالة من ميقاتي وحبّة مسك بضربة يد على الطاولة وموقف من قبيل "لأ مش ماشي الحال". وهذا الموقف، لو حصل، كان شكّل رادعا للمجرمين، لأنه أتى من موقع صديق، لا خصم، في إشارة واضحة الى أنّ تجاوز الخطوط الحمر لا يمر، فيما العكس يشرّع الاغتيال ويزيد من استسهاله. كما أن اغتيال الحسن كان يستدعي أيضا استقالة وزراء الاشتراكي أو أقله خطوة رمزية بتعليقهم حضور جلسات مجلس الوزراء ما لم يُؤد إلى ضمّ الجريمة إلى المحكمة الدولية على سبيل المثال. أما وأن تستمر الأمور وكأن شيئا لم يكن، فلا يمكن تفسيره إلا من زاوية أنّ ما يسمى الوسطية ليس سوى واجهة لـ"حزب الله".

هذا من جهة الوسطية، أما الحالة الاستقلالية فهي كناية عن الشخصيات التي تتصرف بوحي ضميرها، فلا تتأثر باصطفاف من هنا ومن هناك، ولا تجامل أو تناور، إنما تتخذ مواقفها انسجاما مع قناعاتها وأفكارها وثوابتها. ومن الواضح أنّ هذه الحالة مستبعدة من قبل 8 آذار وغير مرغوبة في 14 آذار. وإذا

كان مفهوم استبعادها كون "حزب الله" لا يحتمل شخصيات سيادية، أي مناقضة لطرحه، وغير قابلة للضبط والاحتواء، فيما غير المفهوم هو عدم رغبة 14 آذار في توسيع حلقتها السياسية، لا بل التطورات تُظهر أكثر فأكثر انحسار القرار السياسي داخلها في المكونات الحزبية الثلاثة: تيار "المستقبل" و"القوات" و"الكتائب".

يجب التمييز هنا بين مستويين: انتخابي وسياسي، والموضوع لا يتصل بالبعد الأوّل، إنما بمصلحة 14 آذار أن تشكل حاضنة سياسية وأن تجمع داخل صفوفها آراء مختلفة واتجاهات متعددة تجسيداً للتنوع والغنى داخل المجتمع اللبناني، خصوصا أن المواجهة السياسية يجب خوضها بأوسع تحالف وطني ممكن، وخلاف ذلك يفقدها القدرة على نقل لبنان من مرحلة إلى أخرى.

فالمستقل أو الاستقلاليون هم فئة الناس التي يصعب استيعابها ووضعها ضمن إطار محدّد و"آرمة" معينة. ولكن كونها ليست في خانة أو اصطفاف لا يعني أن لا رأي لديها من كل قضية وعنوان، ولا يعني أنها تضع على قدم المساواة 8 و14 آذار، إنما تبَدّي العنوان الوطني على مصلحة الفريق السياسي، وهذا ما يجعلها عملياً على يمين الفريق السيادي. فهي، على سبيل المثال، غير مضطرة الى "مسايرة" المستقبل بالـ"سين سين" أو تبريره… وطالما الشيء بالشيء يذكر فالبطريرك الماروني السابق الكاردينال مار نصر الله بطرس صفير رفض أن يكون على مسافة واحدة من "قرنة شهوان" و"اللقاء التشاوري"، فضلاً عن أنّ 14 آذار كانت معه وليس العكس.

وهذا ما يقودنا إلى الشعار الذي رُفع مؤخرا "لا نريد 8 ولا 14". وفي الحقيقة إن أخطر ما في هذا الشعار أنه يشكل غطاء للاغتيالات السياسية من زاوية أن الطبقة السياسية مسؤولة عن مآسي الوطن، وبالتالي لا بأس من إزالتها عن الوجود. إن هذه النظرة التبسيطية للأمور هي أقل ما يقال فيها إنها كارثية ومدمرة للبلد. فغير صحيح أن المشكلة متأتية من الطبقة السياسية التي تحسن أحيانا إدارة الصراع وتخطئ أحيانا أخرى، وهذا من طبيعة العمل في الشأن العام، إنما الأزمة هي نتاج التقاء مصالح قوى داخلية مع قوى خارجية على استخدام البلد كساحة.

من حق أي شخص أن يرفع شعار "لا نريد 8 ولا 14"، ولكن عليه بالمقابل أن يرفع عناوينه السياسية ويحدد ثوابته ومنطلقاته الوطنية. فـ8 و14 مكونان عابران واصطفافان محدودان في الزمان والمكان، ولقد سبقهما "الحركة الوطنية" و"الجبهة اللبنانية"، و"الكتلة الوطنية" و"الكتلة الدستورية" ومن ثم النهج الشهابي…

فالأساس إذاً العنوان السياسي وليس الاصطفاف. فمن حق أي شخص ألّا يجد نفسه ضمن هيكلية إدارية، ولكن من غير المسموح أن تكون أهدافه الوطنية غير واضحة، وهذه الأهداف بغاية السهولة والوضوح ولا تحتاج إلى معاجم لتفسيرها، وتنطلق من سؤال مركزي كان يردده دوماً الرئيس المؤسس لحزب الكتائب الشيخ بيار الجميل: أيّ لبنان نريد؟ لبنان الساحة أو لبنان الوطن؟ لبنان الدولة أو لبنان الدويلة؟

من حقّ أي شخص أن يرفع شعار "لا نريد 8 ولا 14"، ولكن عليه بالمقابل أن يحدد موقفه ممّا يسمى المقاومة، فإذا كان معها فهو في صلب فريق 8 آذار وضد خيار الدولة التي لا يستحيل أن تستقيم في ظل وجود ميليشيا تستظلّ عنوانا يبقي هذه الدولة مفككة ومعلقة ومُستباحة…

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل