في جزين، إنتهت جولة رئيس تكتل التغيير والإصلاح النائب ميشال عون بإشكالية: محاولة اغتيال ضبابية. وفي جبيل، إنتهت جولته أيضاً بإشكالية: شهداء إيليج يرفضونه… هل هي المصادفة أن يواجه الرجُل خلال أيام قليلة هاتين الإشكاليتين على التوالي؟
في المقاييس الإنتخابية، هناك قواسم مشتركة بين جزين وجبيل. إنهما ـ في قوانين الدوائر الصغرى – الدائرتان الإنتخابيتان اللتان يتمتع فيهما المسيحيون بالغالبية، لكنّ الصوت الشيعي في كل منهما هو المرجِّح. ولذلك، في اعتبار عون أنّ هاتين الدائرتين مكفولتان "في الجيب"، ما دام متحالفاً مع "حزب الله".
وليس هناك في لبنان ما يشبه هاتين الدائرتين، لولا التأثير الدرزي أيضاً، سوى دائرة بعبدا. ويكفي أن يُهدي "الحزب" حليفه المسيحي ثلاثة نواب مسيحيين في جزين، ومسيحيين إثنين وشيعي في جبيل، عدا عمّا يتوافر في بعبدا وبعلبك – الهرمل، لكي يكون "التفاهم" حيوياً بالنسبة إلى عون. فالفائض في عدد نواب "التكتل"، الذي يفاخر به عون، والذي على أساسه نال حصته الوزارية، وعلى أساسه يأمل في الوصول إلى بعبدا سنة 2014، يتبدَّد تماماً من دون هذا "التفاهم". المعادلة بالنسبة إلى عون بسيطة: إذا كان مسيحيو جزين منقسمين سياسياً في حدود المناصفة، أو حتى لو تراجع عون مسيحياً إلى نسبة 40 % مقابل 60 % لخصومه، أي فريق 14 آذار والقوى العائلية أو المستقلة، فهذا يعني أنه سيفوز بالمقاعد المسيحية الثلاثة. والسبب هو أن الناخبين الشيعة سيمنحونه أصواتهم بغالبية ساحقة، ما يؤدي إلى تعويضه أي خسارة في الصوت المسيحي. فالتوزُّع الإجمالي للمقترعين فعلياً في الدائرة هو في حدود الثلثين للمسيحيين مقابل الثلث للشيعة.
وفي جبيل، اللعبة شبيهة إلى حدٍّ ما، مع فارق في النِسَب. كما أن الناخب المسيحي في هذه الدائرة ليس في دائرة نفوذ "حزب الله" الجغرافي. وفي جبيل تأثير لرئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان أيضاً. ويجدر التذكير بأن الأمين العام لقوى 14 آذار الدكتور فارس سعيد حصل على النسبة الأعلى من أصوات المسيحيين في انتخابات 2009، وكاد يضمن الفوز لولا الدعم الذي تلقّاه عون من حليفه الشيعي.
جولات "شَدّ العصب"
ما يخشاه عون هو الترهُّل في شعبيته المسيحية عموماً، وفي هاتين الدائرتين خصوصاً، بحيث يصبح من الصعب تعويض الخسائر المسيحية بالصوت الشيعي. ويصبح الوضع أكثر صعوبة إذا ما جرت عملية خلط أوراق شيعية، على غرار تجربة المواجهة الجزّينية مع رئيس مجلس النواب نبيه بري في انتخابات 2005.
فخسارة عون في الدائرتين اللتين يتلقّى فيهما الدعم الشيعي لها إنعكاساتها الحاسمة على مستقبله السياسي. كما أن تحقيق انتصار فيهما بالصوت الشيعي، لا المسيحي، له إنعكاسات على صورته. ولذلك هو يعمل على شدّ العصب المسيحي الذي فَقَد في السنوات الثلاث الأخيرة مزيداً من حماسه لعون، خصوصاً لدى الشرائح المتردِّدة والوسطية. وساهم النهج الجديد لسليمان في بلورة هذا الإتجاه.
ويقول حلفاء عون إنه لا يخشى كثيراً خلط الأوراق الشيعية في إستحقاق 2013. فـ"حزب الله" يعمل لترتيب العلاقة في الإنتخابات بينه وبين بري. لكنه يخشى مزيداً من الإنكشاف في الشارع المسيحي، ما يؤدي إلى تظهيره زعيماً بغير قوته، أي بغير قوة القواعد المسيحية. وهذا ما يمنعه من رفع راية الزعامة المسيحية، خصوصاً في بكركي. ويعني ذلك فقدانه القدرة على المطالبة بالحصة المسيحية الأكبر في السلطة، وتالياً رئاسة الجمهورية. ولكن لم تنجح محاولات "شدّ العصب" المسيحي في جزين بـ"محاولة إغتيال"، خصوصاً بعدما فَشِل الإيحاء بدور لتيار "المستقبل" فيها، من خلال اختيار المستديرة قرب مسجد بهاء الدين الحريري مكاناً للمحاولة. ولا ينفع أن يتدارك عون هذا الخطأ بإطراء شخصي للرئيس سعد الحريري "إبن العائلة… ولو اختلفنا معه في السياسة".
وأما في جبيل، فأحبط "أبناء عائلات الشهداء" في سيّدة إيليج محاولة إستثارة من نوع آخر. وعادةً، يقوم عون بما تقتضي منه الحاجة السياسية. فهو كان حَجَّ إلى قبر مار مارون في بْراد في اللحظة السياسية التي تناسبه، لا في اللحظة الروحية.
وحتى الإنتخابات المقبلة، سيتحرَّك عون إستثنائياً لالتقاط الفرصة في لبنان والمهجر… والتقاط البساط المسيحي الذي يتحرَّك تحت قَدميه، والذي يدرك أنه لا يُعوَّضه أيُّ بساط آخر.