كتبت صحيفة "اللواء":
مرة جديدة.. يعود المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى إلى ساحة الأحداث..
ومرة أخرى.. تعود الأضواء لتسلط عليه بعد أن كانت قد خفتت قليلا عقب ما أثير حول انتخاباته وتعديل بعض مواد قوانينه وما أحدثته من سجالات ما زالت حتى اليوم أصداؤها تسمع بين الحين والآخر…
ولكن المختلف هذه المرة أن الأمر لم يبق داخل الأروقة.. ولم يلتزم بحدود القاعات التي شهدت كثيرا علو الأصوات واختلاف المواقف… وإنما خرج وبسرعة كبيرة إلى حيّز العلن ليوضح ما حصل وليضع الأمور في نصابها.
وبداية القصة.. أنه ما أن انتهت جلسة المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى يوم السبت في 3/11/2012 والتي عقدت في دار الفتوى، وبعد أن تمت المصادقة على بيان المجلس من جميع الاعضاء الحاضرين بمن فيهم مفتي الجمهورية الشيخ محمد رشيد قباني، حتى تفاجأ الأعضاء وبعد التدقيق في البيان الذي تلاه عضو المجلس الشرعي الدكتور الشيخ محمد أنيس إروادي ان مفتي الجمهورية أحدث تحريفا للبيان الذي أقره المجلس بإجماع أعضائه..!!
التحريف كما جاء في بيان توضيحي أصدره 13 عشر عضوا من أعضاء المجلس حصل في:
أولا: حذف واسقاط عبارة تثمين موقف رئيس مجلس الوزراء نجيب ميقاتي لجهة ربطه جريمة اغتيال اللواء الشهيد وسام الحسن بجريمة ميشال سماحة..
ثانيا: حذف الفقرة الثانية من موقف المجلس من الاوضاع في سوريا، اذ حذفت العبارة التالية: "حيا المجلس صمود الشعب السوري الشقيق وما يقدمه من تضحيات كبيرة دفاعا عن حريته وخياراته الوطنية ورفضه للظلم والاستبداد وحقه في اقامة دولة مدنية تنعم بالحرية والسيادة والامن والاستقرار".
عضو المجلس عن منطقة عكار المحامي محمد مراد وفي تصريح خاص لـ"اللواء" قال: "في الواقع أن ما حصل في جلسة يوم السبت الموافق 3/11/2012 وبخاصة لجهة البيان يدعونا إلى الكثير من التساؤل والاستغراب والتعجب حول التصرفات التي صدرت من مفتي الجمهورية، وسواء ما يتصل بالبيان أو فيما يتعلق بمسار الجلسة…"
وتابع موضحا: "أما في ما يتعلق بالبيان فلقد كانت الجلسة تسير بشكل منتظم ووفقا للأصول، حيث شكلت لجنة للصياغة من جميع الأطراف وبالفعل أنجزت اللجنة عملها وعرض المشروع بعد ذلك على المجلس مجتمعا بحيث قام مفتي الجمهورية شخصياً بتلاوة البيان من أجل المناقشة بندا بندا، ثم تمت المصادقة عليه وبإجماع الحاضرين وهم 18 عضوا وذلك بعد تعديلات طفيفة، وكالعادة وبعد المصادقة على البيان يتولى مفتي الجمهورية ومن ينتدبه لتلاوة البيان استكمال الاجراءات المتعلقة بتلاوته أمام وسائل الإعلام ويغادر الأعضاء قاعة المجلس…"
وتابع: "أما لماذا بقي عدد من الأعضاء وأنا منهم يوم السبت الفائت وبعد انتهاء الجلسة في بهو دار الفتوى؟!… فلأننا قد صدمنا في الجلسة السابقة لهذه الجلسة عند تلاوة البيان عبر وسائل الإعلام أنه يختلف عما اتفق عليه في الجلسة وتمت المصادقة عليه، مما استدعى التواصل مع بعض الأعضاء حول هذه الواقعة المستهجنة والمستغربة،.. وهذا الأمر هو الذي دفعنا للبقاء في جلسة يوم السبت 3/11/2012 وأن ننتظر البيان وتلاوته…"
ولكن هنا اكتشفنا صدمة ثانية وهي أنه قد تم اقفال باب القاعة علينا في حين علمنا أن مفتي الجمهورية قد غادر دار الفتوى في الوقت الذي كان العضو الشيخ د. محمد أنيس الإروادي يقوم بتلاوة البيان أمام وسائل الإعلام، ونحن لم نعلم أن الباب قد أقفل علينا إلا بعد انتهاء تلاوة البيان لأننا حينها كنا مشغولين بمقارنة نص البيان المتفق عليه بنص البيان الذي يتلى عبر وسائل الإعلام، ولكن بعد انتهاء التلاوة اكتشفنا حقيقة ما جرى من تحريف وأيضا من إقفال باب القاعة علينا..؟!؟!
وأضاف: ورغم أننا لم نتفق ولم نتخذ أي قرار على أن يكون الشيخ الإروادي الناطق الإعلامي باسم المجلس إلا أن مفتي الجمهورية قد انفرد في هذه المسألة (؟!؟) ونحن تجاوزنا عنها تفهما لموقفه وحفاظا على المؤسسة من حدوث شرخ بين أعضائها بسبب تلك المسألة..
والخطير في الأمر أنني حين استفتيت الشيخ محمد أنيس الإروادي حول جواز ما قد حصل أجابني "كلا هذا غير جائز..؟!؟" فسألته كيف تشارك به فأجابني: "الأمر كله بيد المفتي ولا شأن لي"…؟!؟
وتابع المحامي مراد حديثه قائلا: أما الأكثر خطورة فهو أنه بعد صدور البيان قام مفتي الجمهورية بالاتصال ببعض الأعضاء من أجل أن يتنصلوا من هذه الحقيقة علما أن الحقيقة الثابتة لجهة التحريف الحاصل في البيان لا يستطيع أيّ ولا أحد من أعضاء المجلس أن يقول خلاف ما ذكرناه في البيان التوضيحي، ولذا نعلنها صراحة أن أقل ما يقال فيما حصل هو أنه اختزال لإرادة 17 عضوا من أصل 18..؟!؟
واختتم قائلا: إننا دائما وعلى الرغم من كل ما حصل نؤكد على ضرورة الحفاظ على هذه المؤسسة العريقة والتاريخية والمهمة والوطنية في حياة اللبنانيين، ونتمنى على الجميع أن يسهم في توحيد الصف لا في زعزعته وتفريقه، كما أؤكد على أن كل من يتولى مسؤولية مباشرة في هذه المؤسسة أو ينطق باسمها عليه أن لا يعطي أي تصريح أو موقف أمام وسيلة إعلامية إذا كان من شأنه أن يسهم في إضعاف وحدة الصف وبخاصة المسؤول الأول وأقصد سماحة مفتي الجمهورية..
كما أوصي نفسي أولا وكل من يعنيه الأمر أن زمن التفرد والفرض على الآخرين وعدم احترام الرأي الآخر قد ولى في زمن الربيع العربي، وأن المؤسسات المتطورة لا يمكن أن تنحصر في شخص واحد كما لا يمكن لهذا الشخص أن يختزل الجميع بشخصه…!؟.
أما د. محمد صميلي المنتخب عن البقاع فعلق على ما جرى في الجلسة عينها فقال: عند خروجنا من الجلسة وبعد مصادقتنا على صيغة البيان النهائية انتظرنا في بهو دار الفتوى وكان لدينا إحساس أن هناك نية مبيتة لتعديل البيان المتفق عليه، فاتصلت أنا شخصيا بالمسؤول الإعلامي في دار الفتوى الأخ خلدون قواص طالبا منه إبلاغ سماحة المفتي عدم تغيير أي من بنود البيان الذي اتفقنا عليه فأجابني بأنه غير مسؤول عن هذا الموضوع فتكلمت مباشرة مع سماحته وأبلغته نفس الرسالة وبكل صراحة ووضوح، وأخبرته أنه إذا ما حصل أي تغيير فسوف نصعد الأمر إعلاميا، فما كان منه إلا أن أبلغني أنه سيرسل إلينا نسخة من البيان قبل تلاوته أمام وسائل الإعلام، و بالفعل أرسل إلينا المفتي قباني نسخة من البيان بعد طباعته مع الأخ خلدون قواص وأثناء مراجعتنا له تفاجأنا أن الشيخ محمد أنيس الإروادي يتلو البيان أمام وسائل الإعلام بصيغة مختلفة عما اتفقنا عليه في ثلاث نقاط..!؟!
واختتم: ولذا قمنا بإصدار البيان التوضيحي حتى نضع الأمور في نصابها التزاما بما سبق وحذرنا منه سماحة المفتي سابقا..!؟
أما الأستاذ محد فواز العضو المنتخب عن جبل لبنان فتحدث عن تلك الجلسة وقال: لقد كانت الجلسة مفصلية وتناولت شؤونا داخلية ووطنية، ولكن المفجع و المؤسف أن سماحة المفتي أثناء الجلسة وخلالها كان متوترا حتى وصل به الأمر أن استعمل بعض العبارات التي لا تتناسب مع المقام ولا مع المكان ولا مع الحضور..!؟.
وأضاف: إنني كعضو في المجلس الشرعي أرى أن من واجبي الشرعي و الديني أن يبدأ المعنيون بالتفكير الجدي لاختيار مفتٍ جديد حسب الأصول المتبعة في المرسوم 18/55، لأن واقع دار الفتوى والطائفة السنية لم يعد يحتملان ما يجري على الساحة..؟!
إن الطائفة السنية التي هي ركن أساسي في هذا الوطن يجب أن تبقي موحدة وقوية في هذا الظرف الحساس ، ولا بد من وجود شخصية قوية ومعتدلة تتمتع بالمؤهلات الدينية و الشرعية وتتحمل المسؤولية، وتعيد لدار الفتوى دورها الجامع وترتب البيت الداخلي وتؤكد على أننا أهل الجماعة و اللحمة..، سيما وأن المفتي الحالي الشيخ محمد رشيد قباني والذي لم يتبق من مدة ولايته سوى سنة وبضعة أشهر وبما يتحلى به من صفات التقوى و الورع للأسف الشديد ومع حرصنا على مقامه وشخصه أصبح طرفا داخل الساحة السنية، وهذا ما دفعنا سابقا مرات ومرات إلى توجيه النداء تلو النداء لرأب الصدع والعمل على ما يوحّد طائفتنا الكريمة..