#dfp #adsense

هل زيارة هولاند مقدمة لرفع الشرعية عن الحكومة؟

حجم الخط

لم يعد الوضع اللبناني يحتمل أن يقتصر الاهتمام الدولي به على مجرّد إشارات تترجم بزيارات متتالية ومواقف تؤكّد على سيادته واستقلاله وأمنه واستقراره، إنّما بات هذا الوضع يتطلّب أن تقترن الأقوال بالأفعال على الأرض.

لا يمكن تجاهل المواقف الدولية التي أعقبت اغتيال اللواء وسام الحسن، ولا زيارة مساعدة وزيرة الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الادنى بالوكالة إليزابيث جونز وزيارة الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند، خصوصاً أنّ التئام القمّة الرئاسية اللبنانية – الفرنسية جاء قبل توجّه هولاند إلى المملكة العربية السعودية، ما يؤشّر إلى مبادرة تعمل فرنسا على بلورتها في مسعى لإعادة الاستقرار السياسي إلى الوضع اللبناني المشروط بعودة التوازن السياسي عبر إسقاط الحكومة الميقاتية.

وقد يكون التحرّك الفرنسي يحمل تفويضين: أميركي بسبب انشغال الولايات المتحدة بانتخاباتها الرئاسية، وسعودي نتيجة حرص المملكة على تجنّب الظهور بمظهر رأس الحربة في القضية اللبنانية تلافياً لحساسيات مذهبية أو الاصطدام بقوى إقليمية. ولعلّ حرص الملك عبد الله بن عبد العزيز على حضور الرئيس سعد الحريري مأدبة الغداء التي أقامها تكريماً للرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند يحمل في طيّاته جرعة دعم واضحة للحريري ولموقعه بالنسبة للمملكة، خصوصاً أنّ حضوره تزامن مع الرسالة التي كان وجّهها إلى الرئيس الفرنسي والتي يشرح فيها موقف 14 آذار من الأزمة اللبنانية وتتضمّن أبرز بنود البيان-الوثيقة الذي صدر عن هذه القوى.

كما أنّ إصرار الرئيس الفرنسي على عقد قمّة ثنائية مع الرئيس اللبناني يحمل مؤشّرين: رفض الجلوس مع أحد أطراف الأزمة المتمثل برئيس الحكومة الذي تعتبره قوى 14 آذار طرفاً في صلب 8 آذار، ما اضطرّ نجيب ميقاتي إلى تنظيم رحلتين هامشيتين على عجل إلى بلغاريا وهنغاريا تلافياً للإحراج، فضلاً عن الكلام غير الرسمي عن إلغاء الإدارة الفرنسية زيارة ميقاتي لباريس في 19 الجاري، وهذه الرسالة يدرك رئيس الحكومة فحواها بأنّها وإن كانت غير موجّهة ضدّ شخصه، إنّما تنمّ عن موقف واضح برفض استمرار الحكومة ودعوة رئيسها إلى الاستقالة قبل نزع الشرعية الأوروبية عنها.

أمّا المؤشر الثاني فهو رسالة دعم لرئيس الجمهورية، والمقصود بها دفع سليمان إلى الإقدام عبر اتّخاذ الخطوات الملائمة التي تصحّح الخلل في التوازن وتعيد الثقة ولو جزئيّاً إلى قسم كبير من الشعب اللبناني، لأنّ هذا الدعم المتواصل لسليمان وتخصيصه بالزيارات والمديح والتعويل على دوره يُرتّب عليه مسؤولية الخروج من دائرة التردّد إلى اتّخاذ القرارات التي تُجنّب المجتمع الدولي الدخول المباشر على الخط.

ويكفي في هذا السياق أن يعلن رئيس الجمهورية عن رؤيته للحلّ، بالدعوة، على سبيل المثال، إلى قيام حكومة حيادية، ليعيد خلط الأوراق الداخلية من جديد، وهذه الدعوة ليست لمصلحة فريق ضدّ آخر، إنّما لمصلحة البلد، كون استمرار الوضع على ما هو عليه يعني استمرارا للأزمة الناتجة عن عملية انقلابية. كما أنّ من مصلحة سليمان التقاط الدعوات الدولية وإظهار قدرته على صياغة حلول لبنانية، ما يزيد من الثقة الدولية بشخصه ودوره، فيما تردُّده سيظهر هامشية تأثيره، وبالتالي تراجع هذا التعويل على دوره.

وتوازياً لا بدّ من الإقرار بأنّ كلام سليمان في المؤتمر الصحافي المشترك مع هولاند لم يكن على قدر التوقّعات وتحديداً لجهة قوله إنّ "عدم الإستقرار في لبنان تمّ تجاوزه بعد الجريمة التي أودت بحياة الحسن"، فيما لم يعرف كيف تمّ تجاوز عدم الاستقرار، هل بوقف آلة القتل وتشكيل حكومة حيادية وضمان عدم تجدّد الاغتيالات؟. فالدعوة إلى "تجاوز المرحلة عبر الحوار والتضامن"، لا تخرج عن سياق الكلام العام الذي لا يوصل إلى أيّ نتيجة.

وفي العودة إلى التحرّك الفرنسي، هذا التحرّك الذي يبقى شكليّا ما لم يترافق مع خطوات عملية بسقفين حدّ أدنى وأقصى. والحدّ الأدنى المقصود تخيير رئيس الحكومة بين الاستقالة وبين العزلة الدولية، هذه العزلة التي تجعل اللبنانيين هذه المرّة يقتحمون، نتيجة الجوع والإرهاب، الرئاسات الثلاث وليس ما تمّ فبركته عن توجه سابق لاقتحام السراي الحكومي. والعمل بعد استقالة ميقاتي على تشكيل حكومة حيادية من خارج 8 و14 آذار.

أمّا الحدّ الأقصى، وهذا المرتجى على خطى فرنسا الشيراكية (نسبة إلى جاك شيراك في آخر ولايته الثانية)، إيجاد حلول جذرية للأزمة اللبنانية بجعل لبنان محميّة دولية، لأنّ كلام هولاند عن "عدم السماح لأحد بزعزعة استقرار لبنان" و"الحرص على تقديم كامل الضمانات لأمن لبنان" لا يمكن ترجمته إلّا من خلال قرار دوليّ جديد يؤكّد التصميم على نزع سلاح الميليشيات ونشر القوّات الدولية على الحدود البحرية والجوّية والبرّية لضمان سلامة لبنان واللبنانيين، وما عدا ذلك يبقى كلاماً بكلام.

فالمطلوب من المجتمع الدولي بهذا المعنى خطوات عملية وليس زيارات بروتوكولية وكلام مكرّر ملّ منه الشعب اللبناني، كما المطلوب من قوى 14 آذار الإقلاع عن نظرية أنّ هذه الزيارة أو ذاك الموقف يشكّلان خطّاً أحمر حول سيادة لبنان وأمنه، لأنّ التجربة دلّت أنّ هذا الخط الأحمر مجرّد وهم، فلا هذا الخط ّالذي قيل إنّه حول رفيق الحريري حال دون اغتياله، ولا هذا الخط الذي قيل إنّه أوقف الاغتيالات بعد اتّفاق الدوحة حال دون استمرار هذه الاغتيالات، ولا هذا الخط الذي قيل إنّه يمنع إيران من وضع يدها على لبنان حال دون تشكيل الحكومة الميقاتية التي أعادت لبنان إلى حضن سوريا وإيران.

فالخط الأحمر الحقيقي اليوم بالنسبة إلى "حزب الله" يتمثّل بعدم تغيير الحكومة، ومن ثمّ من قال إنّ المحور الإيراني يريد ضرب الاستقرار في لبنان طالما إنّه تحت سيطرته وهيمنته، وهذا لا يعني أنّ رفع هذه الهيمنة يؤدّي إلى هزّ الاستقرار كون هذا المحور يخشى من تداعياته عليه بدءاً من الفتنة المذهبية وصولاً إلى خروج لبنان الرسمي نهائيّاً من دائرة نفوذه.

أمّا الخط الأحمر الذي يجب أن تتمسّك به قوى 14 آذار فقوامه أربعة لاءات: لا عودة عن إسقاط الحكومة، لا حوار مع "حزب الله"، لا مشاركة في حكومة وحدة وطنية، لا تراجع عن حكومة حيادية بيانها الوزاري "إعلان بعبدا"، والاستبعاد كلّياً لثلاثية "الجيش والشعب والمقاومة".

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل