الجمعة بعد أحد تقديس وتجديد البيعة
قراءَةٌ منَ القدِّيسِ إِيرينَاوُس (+201) إِيمانُ الكنيسَة
إِنَّ الكنيسَة، على ٱنتشارِها في العالمِ كُلِّه، منْ أَقاصي الأَرض إِلى أَقاصِيها، قد نالتْ منَ الرًّسلِ وخلفائِهِم الإِيمانَ بإِلٰهٍ واحدٍ، آبٍ ضابطِ الكُلّ، خالقِ السَّماءِ والأَرض والبحارِ وما عليها؛ ونالَتْ أَيضًا الإِيمانَ بيسوعَ المسيحِ الواحدِ ٱبنِ اللهِ المتجسِّدِ لأَجلِ خلاصِنا؛ وبٱلرُّوحِ القدسِ الواحد… أَجلْ هٰذهِ هي البشارةُ الَّتي نالتْهَا الكنيسَة: وهي الإِيمانُ، كما قلنا؛ وعلى ٱنتشارِهَا في العالمِ كلِّه، فهيَ تحفظُ هٰذا الإِيمانَ بكلِّ دقَّةٍ كأَنَّها تعيشُ في مكانٍ واحد، وتُؤْمِنُ إِيمانً واحدًا، كأَنَّ لها قلبًا واحدًا وروحًا واحدًا. وبٱتِّفاقٍ تامٍّ تبشِّرُ بهٰذا الإِيمانِ وتعلِّمُهُ وتمنحُه، كأَنَّها تملكُ للنُّطقِ بهِ فمًا واحدًا.
اللُّغاتُ على الأَرض مختلفةٌ، ولا شكّ، لٰكنّ قوَّةَ التَّقليدِ واحدةٌ ومتشابهَة؛ وكما أَنَّ الكنائسَ المؤَسَّسَةَ والمنتشرَةَ في العالمِ كلِّهِ تؤْمِنُ إِيمانًا واحدًا، كٱلشَّمس، خليقةِ الله، الَّتي هي نفسُها تشعُّ على العالمِ كلِّه، كذٰلكَ البشارةُ بٱلحقيقةِ تنيرُ كلَّ الَّذينَ يريدونَ معرفةَ هٰذهِ الحقيقة.
إِنَّ التَّعليمَ واحدٌ، إِنْ تفوَّهَ بهِ رسولٌ كبيرٌ أَو تلميذٌ صغير؛ لأَنَّهُ لا يفوقُ علمٌ بشريٌّ تعاليمَ المعلِّم. وبما أَنَّ الإِيمانَ واحد، فلا كثرَةُ الكلامِ تُغنِيهِ ولا قلَّتُهُ تفقِرُهُ.
الرّسالة: روم 5: 12-16
آدم والمسيح
12 لذٰلكَ كما دخلتِ الخطيئة إلى العالمِ بإنسانٍ واحد، وبٱلخطيئةِ دخلَ الموت، هٰكذا سرى الموتُ إلى جميعِ النّاس، بما أنّهم جميعهم خطئوا.
13 فقبلَ الشّريعة، كانتِ الخطيئةُ في العالم، لٰكنّها بدونِ الشّريعةِ لم تكنْ تُحسبُ خطيئة.
14 إلّا أنّ الموتَ قد ملكَ من آدمَ إلى موسى، حتّى على الّذينَ ما خطئوا بتعدّي الشّريعة، كما تعدّاها آدم، الّذي هو صورةُ المسيح الآتي.
15 ولٰكن ليستِ الزّلّةُ بمقدارِ الموهبة: فإذا كانَ الكثيرونَ قد ماتوا بزلّة إنسانٍ واحد، فكم بٱلأحرى قد فاضتْ نعمةُ الله وعطيّتهُ على الكثيرين، بنعمةِ إنسانٍ واحد، هو يسوعُ المسيح!
16 وليست خطيئةُ خاطئٍ واحدٍ بمقدار العطيّة: فمن جرّاءِ زلّة واحدة، صارَ الحكم بٱلهلاك، ومن جرّاء زلاتٍ كثيرة، صارتِ الموهبةُ للتّبرير.
شرح آيات الرّسالة:
12 1 قور 15/21-22، 45؛ حك 2/24؛ تك 2/17؛ 3/6، 19؛ روم 6/23؛ غل 6/7-9؛ يع 1/15؛ روم 3/23.
لذٰلك: تربط بٱلمقطع السّابق (5/1-11) فيكون المقطع (5/12-14) نتيجة لما سبق. يحاول بولس بدء المقابلة بين يسوع وأدم، بعبارة أولى ناقصة (5/12)، لا يكتمل معناها إلّا في (5/18-19).
بإنسان واحد: يقصد به بولس الإنسان التّاريخيّ الأوّل آدم، وعصيانه الأوّل الحرّ والمسؤول في التّاريخ، كما يذكر الكتاب (تك3). ويقصد بـ"الآتي" (5/14) عمل المسيح الّذي نقض بطاعته عصيان الإنسان الأوّل، بعمل حرّ ومسؤول في هٰذا التّاريخ عينه.
الخطيئة والموت: يصوّرهما بولس شخصين يدخلان في تاريخ الإنسانيّة بسبب آدم رأس البشريّة جمعاء: الخطيئة تفصل الإنسان عن الله، واﮕنفصال عن الله موت روحيّ أبديّ، ليس الموت الطّبيعيّ سوى رمز إليه (حك 2/24؛ عب 6/1).
بما أنّهم جميعهم خطئوا: يختلف فيها النّاقلون والشّارحون: بعضهم يعتبرها جملة موصوليّة متعلّقة بآدم: "الّذي فيه الجميع قد خطئوا"، فيشرحون أنّ خطيئة آدم لحقت نسل آدم كلّه بغير ٱستثناء، كونه أبًا للجميع، يحوي في صُلبه الجميع، وهو المسؤول عن تسرّب الخطيئة والموت إلى حياة البشر وتاريخهم. وبعضهم الآخر، وهٰذا الأرجح، يعتبرها جملة سببيّة مفصولة عن آدم: "بما أنّ الجميع قد خطئوا"، ٱستنادًا إلى نصوص أخرى، من القدّيس بولس، تبدأ بالعبارة نفسها "بما أنّ"، "لأنّ" (2 قور 5/4؛ فل 3/12؛ 4/10). والمعنى أنّ كلّ فرد من النّاس حرٌّ مسؤول عن أعماله، وأنّ الخطيئة قد وُلِدَت في قلب الإنسان الحرّ الأوّل، وما زالت تتولّد في قلب كلّ إنسان حرّ مسؤول حتّى إنّنا لا يسعنا أن نفصل، في تعليل أسباب الخطيئة (الّتي يسمّيها التّقليد الخطيئة الأصليّة)، خطيئة آدم عن خطيئة كلّ فرد من أبنائه. فٱلجميع خطئوا خطايا شخصيّة فأسهموا فعلًا في خطيئة آدم، وأضافوا إليها شرًّا جديدًا، جعل الموت يسري إليهم أجمعين. لا يحدّد بولس هنا طبيعة الوحدة القائمة بين آدم ونسله، وبين خطيئة آدم وخطيئة كلّ واحد من نسله. ولا يقصد بولس إلّا النّاس الرّاشدين، ولا يحصر تفكيره في آدم، شخصًا فرديًّا تاريخيًّا فحسب، بل يعتبره شخصًا جماعيًّا، يمثّل وضع البشريّة جمعاء، ويحويها كلّها، ويرمز إلى المسيح الآتي، مخلّص النّاس أجمعين.
13-14 يرى شُرَّاح أنّ هاتين الآيتين إكمال للآية "بما أن الجميع قد خطئوا"، وشرح لحتميّة الموت على البشر أجمعين، حتّى على الّذين عاشوا بين آدم وموسى، حيث لم يكن خطيئة تعدٍّ على شريعة أو وصيّة، مثل تعدّي آدم لوصيّة الخالق. فقد لحقهم قصاص الموت، لأنّهم هم أيضًا خطئوا، ولو بمعزل عن الشّريعة، فصاروا محبوسين في المعصية (روم 11/32؛ غل 3/22)، حتّى جاء المسيح فحرّرهم.
13 روم 4/15؛ 7/7.
14 1 قور 15/21-22، 45.
وهو رمز إلى الآتي: يرى بولس في آدم بكرَ النّاس أجمعين، وفي المسيح بكرَ كلّ خلق (قول 1/15؛ روم 8/29). لٰكنّه يرى في الوقت نفسه، أنّ المسيح نقيض آدم: كان آدم وسيط الخطيئة والموت الشّامل، أمّا المسيح فهو وسيط النّعمة والخلاص الشّامل الأبديّ.
15-17 توسيع جديد، فيه بولس يوضح الفرق الكبير بين حدث الهلاك الّذي سبّبه آدم، وحدث الخلاص الّذي حقّقه يسوع: كان آدم في أوّل التّاريخ أساس الجنس البشريّ، أمّا المسيح فجاء في قلب التّاريخ ليضع حدًّا للهلاك، وينبغي أن يصل إلى قلب كلّ فرد من الجنس البشريّ، ليمنحه النّعمة والبرّ. ثم إنّ قوّة الخطيئة والموت تنقضّ على النّاس عنوة، ولا تستثني أحدًا، أمّا النّعمة فتُهدى إهداء، وترفض أن تملك بٱلقّوة واغتصاب، وتريد أن يقبلها النّاس راضين، فيملكوا في الحياة بيسوع المسيح!
15 الكثيرون: تعني "الجميع" (5/18؛ متّى 20/28).
16 فمن جراء زلة واحدة … للتّبرير: نقلٌ آخر ممكن: "فبزلّةٍ واحدة كان الحكم بٱلهلاك، وبزلاّت كثيرة كانت الموهبة للتّبرير".
الإنجيل
يو 17: 24-26
24 يا أبتِ، إنّ الّذينَ وهبتهم لي أريدُ أن يكونوا معي حيثُ أكون، ليُشاهدوا مَجدي الّذي وهبتهُ لي، لأنّكَ أحببتني قبلَ إنشاءِ العالم.
25 يا أبتِ البارّ، ألعالمُ ما عرفكَ، أمّا أنا فعرفتكَ، وهٰؤلاءِ عرفوا أنّكَ أنتَ أرسلتني.
26 وقدْ عرّفتهم ﭐسمكَ وسأُعرّفهم، لتكونَ فيهم المحبّةُ الّتي بها أحببتني، وأكونَ أنا فيهم".
شرح آيات الإنجيل:
24 يو 12/26؛ 1/14؛ 10/29؛ 14/3؛ 17/5؛ تك 45/13.
وهبتهم لي: حرفيًّا "مَن وهبتهم لي"، وفي مخطوطات "ما وهبته لي". والمقصود التّلاميذ.
معي حيث أكون: يشارك التّلميذ معلّمه يسوع في طاعته حتّى الموت (13/33، 36)، ويشاركه في مجده حتّى الصّعود إلى مجد الآب (12/26؛ 14/3).
25 يو 1/10؛ 8/55؛ متّى 1/27؛ لو 10/22.
27 يو 17/6؛ خر 3/13؛ روم 8/39.
عرّفتهم ٱسمك، وسأعرّف: تذكّر هٰذه الآية بالآيات (6-8)، وتوجز رسالة يسوع إلى العالم: الغاية من تعليم يسوع أن يحبّه التّلاميذ حبّ الآب له، وأن يتجسّد هو في كلّ مؤمن، فيتابع المؤمنون به عمله، وكأنّهم ٱمتداد له ولرسالته.
للعلم والخبر، للأمانة والدّقة، نعلن ما يلي:
مرجع القراءة: (زمن الميلاد المجيد جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1977).
مرجع نصّيِ الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، التّرجمة اللّيتورجيّة، إعداد اللّجنة الكتابيّة، التّابعة للجنة الشّؤون اللّيتورجيّة البطريركيّة المارونيّة. طبعة ثانية منقّحة – 2007).
مرجع شرح آيات الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، كليّة اللّاهوت الحبريّة جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1992).
نقله: فلّاح بكرم الرّبّ.