"الرئيس بشار الأسد منزعج وقلق من إصرار القيادة الروسية على إحياء إتفاق جنيف وإيجاد آلية عملية لتطبيقه والدعوة الى إصدار قرار جديد عن مجلس الأمن يدعم الإتفاق على أساس انه الصيغة الوحيدة المناسبة المقبولة دولياً وإقليمياً لوقف الحرب وإنقاذ سوريا. وتساند القيادة الإيرانية موقف الأسد هذا إذ انها لم تشارك في إنجاز إتفاق جنيف بل انها تعارضه لأن تطبيقه يشكل تهديداً جدياً للنظام السوري". هذا ما قالته لنا مصادر ديبلوماسية أوروبية في باريس معنية بالملف السوري إستناداً الى المعلومات التي تلقتها من دمشق وموسكو وطهران.
وأوضحت "ان الأسد يرى ان إتفاق جنيف ينتزع منه السلطة التنفيذية وينهي نظامه ويدعو الى إقامة نظام جديد مختلف جذرياً عنه ويمنح المعارضين والثوار شرعية دولية رسمية ويطلب إشراكهم في تقرير مصير سوريا ويرفض تالياً إتهام الرئيس السوري اياهم بأنهم إرهابيون ومتمردون مسلحون ويجب القضاء عليهم".
وافاد مسؤول اوروبي بارز شارك في إجتماع جنيف الذي تبنى هذا الإتفاق والذي عقدته في نهاية حزيران الماضي مجموعة العمل الدولية حول سوريا التي تضم الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن وتركيا والعراق وقطر والكويت والمبعوث الخاص المشترك الدولي – العربي آنذاك كوفي أنان "ان المناقشات بين أعضاء هذه المجموعة أظهرت توافقاً على ان الأسد ليس قادراً على مواصلة حكم سوريا وإنقاذها من أزمتها البالغة الخطورة وأن يكن يستطيع مواصلة الحرب المدمرة، وان من الضروري تالياً إطلاق عملية سياسية جدية في اشراف دولي – إقليمي تعمل على إحداث تغييرات جذرية في البلد وفي تركيبة النظام، إذ ليس ممكناً العودة الى مرحلة ما قبل إندلاع الثورة الشعبية". وركز المسؤول الأوروبي على النقاط الأساسية الآتية التي تعكس أهمية إتفاق جنيف وأسباب رفض الأسد وإيران له :
أولاً – يدعو إتفاق جنيف الى إنتقال سلمي للسلطة وليس الى دعم بقاء نظام الأسد ويشدد على ضرورة وقف العنف وإنتهاكات حقوق الإنسان وإطلاق عملية سياسية يقودها السوريون وليس النظام وتستجيب للآمال المشروعة للشعب السوري وتسمح له بتقرير مستقبله بشكل مستقل وبطريقة ديموقراطية.
ثانياً – يشدد الإتفاق على ان الإنتقال السلمي للسلطة يجب أن يؤدي الى "بناء دولة ديموقراطية تعددية حقيقية" تقوم على أساس التعددية الحزبية وحكم القانون واستقلال القضاء ومحاسبة المسؤولين المتورطين في الجرائم وتحترم المعايير الدولية لحقوق الإنسان وتضمن حقوق الأقليات والمساواة بين المواطنين. وما يطلبه إتفاق جنيف يتناقض جوهرياً مع الدولة التي يحكمها الأسد.
ثالثاً – يدعو الإتفاق الى تأليف "هيئة حكومية إنتقالية تملك كل الصلاحيات التنفيذية" وتضم أعضاء من الحكومة الحالية ومن المعارضة ومجموعات أخرى وتتشكل على أساس التفاهم المتبادل بين الأطراف وتسمح لكل مجموعات المجتمع السوري واطيافه بالمشاركة في عملية الحوار الوطني.
رابعاً – يدعو الإتفاق الى مراجعة الدستور والنظام القضائي وإخضاع أي مشروع دستور جديد لموافقة الشعب وإجراء إنتخابات تعددية حرة وشفافة وضمان الوقف النهائي لأعمال العنف وإطلاق المعتقلين وإيصال المساعدات الإنسانية الى المحتاجين.
خامساً – ينص الإتفاق على ضرورة حماية وإصلاح المرافق والمؤسسات العامة وهذا يشمل القوات المسلحة والأجهزة الأمنية واخضاع كل المؤسسات الحكومية بما فيها أجهزة المخابرات لإشراف قيادة عليا يثق بها المواطنون، ومحاسبة المسؤولين عن الأعمال المرتكبة وتمكين ضحايا النزاع من الحصول على تعويضات أو إعادة الإعتبار اليهم لأن ذلك ضروري لتحقيق المصالحة الوطنية.
سادساً يدعو الإتفاق الحكومة الى تعيين محاور مع المبعوث الخاص المشترك الدولي – العربي يمتلك صلاحيات حقيقية، كما يدعو المعارضة الى تدعيم تماسكها بهدف تسمية ممثلين فعليين لها وذلك كله من أجل تنفيذ العملية الإنتقالية.
ورأى المسؤول الأوروبي "ان الأمر الأهم هو التفاهم الدولي – الإقليمي على اتفاق جنيف الذي ينهي النظام السوري الحالي ويمهد لبناء دولة مختلفة جذرياً عن الدولة القائمة. لكن العقبة التي تمنع التنفيذ حتى الآن هي ان الدول الغربية والإقليمية المعادية للأسد تقول انه يستحيل تطبيق إتفاق جنيف قبل أن يرحل الرئيس السوري عن السلطة، بينما تقول القيادة الروسية ان الإتفاق يقلص الى أدنى حد صلاحيات الأسد وان مصيره يتقرر خلال المرحلة الإنتقالية. والمفاوضات الدولية متواصلة سراً من أجل محاولة تذليل عقدة مصير الأسد".