كلمة مستشار الرئيس سعد الحريري داوود الصايغ في حلقة حوار معراب حول "الارشاد الرسولي للشرق الاوسط ونصرة الكرامة الانسانية":
قبل أن يصل البابا بينيدكتوس السادس عشر الى لبنان في 14 آيلول الماضي، في زيارة أدرجها تحت عنوان السلام، كانت قد وصلتنا قبل ذلك في 9 آب، رسالة من نوع آخر عنوانها الموت. فالمتفجرات الأربع والعشرون التي اُعدّت للقتل والتدمير، كانت كفيلة، لولا العناية الألهية، ولولا سهر الجهاز الذي ما لبث رئيسه اللواء وسام الحسن أن سقط شهيدا ً، بإحداث الفتنة الكبرى المخطط لها.
البابا كان متابعا ً لكل ذلك. ولكنه أصرّ على القيام بالزيارة. وهو قال بعد ثلاثة أيام من رجوعه الى الفاتيكان، وأثناء أول لقاء علني له بعدها في 19 آيلول الماضي : "إنها زيارة أردتها بقوة، بالرغم من الظروف الصعبة، معتبرا ً أن على الأب أن يكون الى جانب أبنائه الذين يواجهون مشاكل جمّة. لقد حركتني لذلك الرغبة القوية لإعلان السلام : "سلامي أعطيكم".
لعل قضية لبنان كلها في الوقت الحاضر تختصر بالتسابق بين هاتين الرسالتين : هنالك من يريد تفجير لبنان، من يصـّر على جعله ساحة قتال وصراع، من يربطه بتحالف إقليمي مناف لطبيعته وللقاعدة الأولى التي إرتكز عليه إستقلاله وهي الإبتعاد عن الأحلاف، وهنالك من يسعى لإعادة وضع لبنان في المكان الذي يجب أن يكون فيه، والذي بَرَرَ وجوده عند المنطلق وفيما بعد، كوطن رائد، متميز، ملتقى حضارات وليس مستودع سلاح، يتجاوز فكرة الوطن العادي الى نموذج التعدد والديموقراطية والتوازن للشرق والغرب كما قال البابا الراحل يوحنا بولس الثاني، ولمنطقته وللعالم كما قال بينيدكتوس السادس عشر.
هكذا تكلم الباباوات بلسان جميع الذين أدركو معنى لبنان. معنى وجوده في هذا الشرق، على مفترق القارات والحضارات. وهكذا أيضا ً تكلم العرب من قادة كبار عرفوا قيمة ذلك الوجود المميز الذي أغنى العروبة بالعطاءَات العديدة، وفتح أمامها المجالات الرحبة.
من البوابة اللبنانية إذن دخل البابا الى الشرق، وهي كانت ولا تزال أفضل باب للدخول إليه ، للتعرف إليه والإقتراب منه. الشرق، صخرة المسيحية الأولى التي أقلق البابا وجودها فيه نتيجة عقود من التعثرات، ابتعد معها عنه العدد الأكبر من المسيحيين. كان الخراب قد حصل : إنقلابات وديكتاتوريات وصراعات داخل الحدود وخارجها، تقلصت معها مساحات الحرية في دول الشرق الأدنى وتقلص معها وجود الأحرار وليس فقط وجود المسيحيين، بدليل هذا العدد الهائل من المنفيين خارج بلادهم التي ضاقت ذرعا ً بأصوتهم المرتفعة بالحرية والكرامة وحقوق الإنسان، وهي القيم التي ينادي بها الكرسي الرسولي، والتي نادى بها البابا في لبنان.
وهكذا عندما قرر الكرسي الرسولي الإقتراب من مسيحيي الشرق إثر الدعوت الى ذلك التي أدت الى عقد سينودوس خريف 2010، كان لا بدّ من الإقتراب من الشرق نفسه، من الشرق العربي تحديدا ً شرق الثورات والثروات، شرق الإنغلاق والإنفتاح، لأن قضاياه ومشاكله لن تهدأ في زمن منظور، وقبل أن تهدأ قضيته الأولى المتمثلة بالقضية الفلسطينية تلك التي أولاها عنايته البابا الراحل يوحنا بولس الثاني عند إستقباله لياسر عرفات بتاريخ 15 آيلول 1982.
فالكنيسة تتخذ وجه النضال عندما يتعلق الأمر بالإضطهاد، علما ً بأنه ليس لها من سلاح سوى الكلمة. هكذا تعامل الكرسي الرسولي مع لبنان الذي إستهلكت حروبه أثنتي عشرة عاما ً من أصل حبرية يوحنا بولس الثاني. وهكذا تعاطى مع حرب العراق عام 1990، في رفضه لإستعمال الوسائل العسكرية.
في سلاح الموقف هذا أسهم يوحنا بولس الثاني، البابا المناضل، في تغيير أوروبا وإسقاط الأنظمة الماركسية – اللينينية. فما هو موقف الفاتيكان اليوم من الثورات العربية ؟
يجب التمييز هنا بين أمرين أساسيين : الموقف من الإنتفاضات نفسها، كصرخة حرية كما وصفها البابا بينيدكتوس السادس عشر، والموقف من المجموعات المختلفة التي تتألف منها المجتمعات العربية، أو الموقف مما صار يعرف بالأقليات.
فالفاتيكان هو مع أي صرخة حرية في العالم في أي مكان وزمان. البابا يوحنا بولس الثاني حدد الموقف من الأنظمة الشمولية عندما وقف في الجمعية العامة للأمم المتحدة في 5 تشرين الأول 1995 وقال : ‹‹ ان الشمولية المعاصرة كانت قبل كل شيء إعتداء على الكرامة الإنسانية، وهو إعتداء وصل حد نكران الحياة وحرمتها››. وهو كان يعرف، بخاصة بعد سقوط الماركسية – اللينينية وجدار برلين عام 1989 بأن العالم مقبل على مرحلة جديدة لا يمكن لأحد الوقوف بوجهها وهي الحرية. وأضاف : ‹‹ في كل مناطق العالم، وبالرغم من تهديدات العنف، فأن رجالا ً ونساء ً جازفوا بطلب الحرية، وبأن يعترف لهم بمكانة في الحياة الإجتماعية والسياسية والإقتصادية على قدر كرامتهم كأشخاص أحرار››.
والبابا الحالي بينيدكتوس السادس عشر ذهب في خطابه أمام الجمعية العامة في 18 نيسان 2008 حد التحدث عن مسؤولية الحماية ‹‹La responsabilité de protéger›› قائلا ً : ‹‹على كل دولة واجب أساسي بحماية شعبها ضد الخروقات الخطيرة والمتكررة لحقوق الإنسان […] وإذا حدث أن دولا ً ليست قادرة على تلك الحماية، يعود الى المجتمع الدولي التدخل عبر الوسائل القانونية التي تتيحها شرعة الأمم المتحدة ووسائل دولية أخرى. في هذه الحال أن التدخل يجب ألا يعتبر قمعا ً أو حدا ً من السيادة. بالعكس من ذلك، إن اللامبالاة أو عدم التدخل هما اللذان يسببان الأضرار…››.
إن الفاتيكان هو ضد كل عنف، ضد الحروب على أنواعها، ومع الحلول السلمية للأزمات. فذلك هو من مرتكزات وجوده كقوة معنوية أولى في العالم، بإعتباره رأس الكنيسة الكاثوليكية التي تضم مليارا ً و 300 مليون نسمة، هم رعايا مملكة بلا حدود، منتشرون في كل أنحاء العالم. ولكن الفاتيكان، الدولة الأصغر في العالم ذات الـ 44 هكتارا ً، له موقف. وهو موقف ما زال يؤثر في السياسة الدولية بإعتباره مجردا ً من كل مصلحة على النحو الذي تتحرك على أساسه الدول الأخرى، إيجابا ً أو سلبا ً.
وعندما سئل البابا بينيدكتوس عن رأيه في الإنتفاضات العربية أجاب : إني أقول أن الربيع العربي هو أمر إيجابي، هو رغبة في المزيد من الديموقراطية والحرية والتعاون وتجدد الهوية العربية. صرخة الحرية هذه التي تنطلق من شباب واع ٍ، تريد مشاركة واسعة في الحياة السياسية والإجتماعية. ولكن تجارب الثورات تعلمنا أن الحرية هذه، يهددها إهمال بُعد ٍ أساسي للحرية وهو التسامح تجاه الآخر، وإن الحرية الإنسانية هي حرية مشاركة […] وأن تجدد الهوية العربية تنطوي على تجدد العيش الواحد بين المسيحيين والمسلمين والذي يعود لقرون خلت".
وردا ً على سؤال عن هجرة المسيحيين من بعض البلدان، من العراق وسوريا تحديدا ً أجاب ‹‹ليس المسيحيون هم الذين يغادرون، بل المسلمين أيضا ً، وأن هنالك خطرا ً بأن يبتعد المسيحيون وألا يبقوا حاضرين على هذه الأرض، ويجب العمل بكل الوسائل لمساعدتهم››. والوسيلة الأولى في رأي البابا هي وقف الحرب والعنف، والعمل على إعادة ترسيخ العيش الواحد في المستقبل، وذلك من ضمن ثوابت الكرسي الرسولي بإدانة مختلف أشكال العنف، والعمل على حل المشاكل بالطرق السلمية.
على أن الموضوع الثاني والأهم الذي كان وراء زيارة الحبر الأعظم الى لبنان – والشرق – لنشر الإرشاد الرسولي المتعلق بوضع الكنيسة في الشرق الأوسط، هو واقع ما صار يعرف بالأقليات المسيحية في الدول العربية.
لقد قيل الكثير حول هذا الموضوع، والجميع انتظر الفاتيكان ليقول كلمته، وهو قالها : ‹‹أن الشرق الأوسط بدون المسيحيين أو بعدد ضئيل منهم، ليس الشرق الأوسط، لأن المسيحيين يشاركون مع باقي المؤمنين في صنع الهوية الخاصة للمنطقة. فالجميع مسؤولون عن بعضهم بعضا ً أمام الله››، كما ورد في الإرشاد الرسولي.
وبكلام آخر ردده مؤرخون وبحـّاثة كبار قالوا أن العرب بدون المسيحيين لا يكونون عربا ً. هذا يدركه جميع أصحاب الفكر والرأي في المنطقة العربية. ولكن الواقع هو شيء آخر.
كان الواقع في عدد من الأنظمة واقع الحماية. فالنظام يحمي. فالقضية طرحت بقوة بعد مآسي العراق ونزوح أعداد من المسيحيين الذين يرقى وجودهم الى الزمن الأول للمسيحية. وذلك على خلفية كانت تتصاعد مع الوقت تحت عنوان ‹‹مصير مسيحيي الشرق›› وصدور كتابات ومؤلفات منها كتاب شهير عنوانه ‹‹حياة وموت مسيحيي الشرق››. وبما أن المجال لا يسمح بالتوقف عند واقع كل بلد، يكفي القول أن حلب، المدينة المدمرة اليوم، كانت حاضرة كبرى للمسيحيين حتى العقود الأولى من القرن العشرين، والأسكندرية مدينة مفتوحة حتى منتصف القرن نفسه، والهجرات المسيحية من تلك الدول سبقت بعقود أحداث الربيع العربي، وأسبابها متنوعة، ولكل بلد خصائصه في موضوع الأقليات. وقد شاهدنا بالأمس انتخاب بابا جديد للأقباط الأرثوذكس، في إستمرارية تدل على أصالة ذلك الوجود المسيحي في مصر.
ولكن يكفي القول هنا أنه من تراث المسيحيين وعلة وجودهم في الشرق، هو الإلتقاء مع الحريات وليس الخوف. وأن تقلص وجودهم حصل عندما تقلص وجود الحرية إثر قيام أنظمة شمولية وعقائدية أجرت التأميمات على أنواعها، بما فيها تأميم الصحف ووسائل الإعلام، والحد بالطبع من جميع الحريات العامة.
فحمايات الأنظمة هي إذن مذلـّة وواهية وغير مستدامة. ليس المطلوب من أنظمة الحكم أن تحمي، بل أن تعتبر جميع مكونات المجتمع مواطنين بالتساوي. هذا هو المؤمل من أنظمة الحكم التي ستنشأ بعد الربيع العربي، ووفقا ً على الأقل ما ذكرته وثائق الأزهر في مطلع هذه السنة وما ذكرته وثيقة الأخوان المسلمين في سوريا، حول حرية المعتقد وسائر الحريات العامة.
وفي هذا الموضوع بالذات قال وزير خارجية الفاتيكان المونسينيور دومنيك مامبرتي في الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 27 آيلول 2011، متحدثا ً عن واقع المسيحيين في بعض البلدان : ‹‹أود أن أقول أن المسيحيين هم مواطنون مثلهم مثل غيرهم، مرتبطون بوطنهم ومخلصون لكل واجباتهم الوطنية. ومن الطبيعي أن يتمكنوا من التمتع بكافة حقوق المواطنة وحرية المعتقد والعبادة وحرية التعليم والتربية واستعمال وسائل التواصل".
للفاتيكان ثوابت منطلقة من صفة المرجعية المعنوية التي يمثلها في العالم. فالبوصلة لديه توصله دائما ً الى ذلك المرمى مهما تحرك العالم، في ذلك السعي الدائم الى الحقيقة. فالفاتيكان حتى وإن تعاطى في السابق مع أنظمة حكم متشددة، إلا أن المقصد الأساسي لا يتغير. وعلى هذا الأساس دافع عن الحقوق المشروعة للشعوب، وارسل ممثلا ً عنه الى مؤتمرات أصدقاء سوريا، رغم إدانته للعنف الجاري فيها.
في لبنان قال البابا مرددا ً قول سلفه : لا تخافوا، متوجها ً الى الجميع مسيحيين وغير مسيحيين، ثوارا ً وأحرارا ً يتطلعون الى غد الحرية. وحري بالجميع، وبخاصة أولئك الذين أخافوا المسيحيين، أن يستمعوا الى كلام الحبر الأعظم.
ونحن اليوم ملتقون في مكان برهن أنه محصن ضد الخوف في مرحلة التحولات العميقة التي تجري في المنطقة وفي سوريا، متطلعين دائما ً الى غد ٍ عربي جديد، غدٍ يشبهنا نحن اللبنانيين، شاكرين للدكتور سمير جعجع دفاعه الدائم عن هذه القيـّم وحضوره ومشاركته هذه الندوة.
وشكراً لإستماعكم