#adsense

الثمن الواجب دفعه مقابل الحضور الإيراني في أزمات المنطقة

حجم الخط

الثمن الواجب دفعه مقابل الحضور الإيراني في أزمات المنطقة

بهاء أبوكروم

 

عندما يقول الرئيس الايراني أحمدي نجاد في تصريح له بتاريخ 26/6/2007 غداة قمة شرم الشيخ الرباعية ما حرفيته: «لا تظنوا أن في إمكانكم الاجتماع في مدينة واتخاذ قرار والقول إن ملف القضية الفلسطينية أغلق»، لم يكن قد تفوه ببعض الجمل الفارغة بقدر ما يقول إنكم لا تستطيعون البت بشيء من الأشياء الكبيرة أو الصغيرة إلا بعد موافقتي والتكلم معي. وهذا الكلام جاء بعدما وصف حكومة الطوارئ التي شكلها محمود عباس بأنها مُرتهنة، وقبل أن يزور دمشق ويعلن بأن الصيف القادم سيشهد انتصارات على المشروع الأميركي في المنطقة.

 

لم يعد من المبالغة القول إن إيران أصبحت لاعباً أساسياً في قضايا المنطقة بغض النظر عما إذا أتى ذلك لصالح القضايا العربية أم في غير صالحها، وأن التعامل مع الواقع الإيراني من زاوية استبعاده عن التسوية أو الحلول قد يزيد من حدة المواجهة معه وليس العكس.


واجهت إيران مؤتمر أنابوليس كما واجهت من قبله كل اللقاءات والمؤتمرات التي عملت على طرح القضية الفلسطينية على الطاولة. عارضت أنابوليس ورفضت المبادرة العربية وانتقدت اجتماع وزير الخارجية السوري وليد المعلم مع الوزيرة الاميركية كوندوليزا رايس في شرم الشيخ ودعمت سيطرة «حماس» على غزة، ودخلت في الموضوع اللبناني فكان نصر «حزب الله» في تموز نصراً إيرانياً بالدرجة الأولى، ثم بعد ذلك، دخلت على خط الوساطة السياسية بعدما سيطر «حزب الله» على وسط بيروت من خلال عملية الاعتصام المستمرة، ولجمت الفتنة المذهبية في 25 كانون الثاني (يناير) الماضي بعدما استفحل الصدام بين السنة والشيعة في شوارع بيروت. واليوم أكدت أكثر من أي وقت مضى حضورها في التفاصيل السياسية اللبنانية من خلال قدرتها على امتلاك مفتاح الحل والربط مع «حزب الله»، أو بواسطته مع مروحة من القوى السياسية وغير السياسية التي تدور في فلكها، إضافة إلى تثبيت ذلك من خلال العقد التي ظهرت في ما خص موضوع الانتخابات الرئاسية في لبنان، فظهر أنه إذا أراد اللبنانيون إجراء انتخاباتهم الرئاسية واستحقاقاتهم الدستورية فإن عليهم أخذ الموقف الإيراني بعين الاعتبار. ولأن الوساطة الفرنسية تجاهلت التأثير الإيراني في لبنان واعتمدت على التقارب مع سورية فقط ولأن فرنسا أظهرت ايضاً تشدداً في موقفها من الملف النووي الإيراني بمطالبتها رفع حدة العقوبات على إيران، فذلك انعكس تصميماً إيرانياً على إعاقة الحلول إلا إذا اقترنت بمكاسب جدّية، لكل ذلك ثمة حقيقة واضحة وثابتة وهي أن الصراع الذي يخوضه النظام الرسمي العربي اليوم في المنطقة هو صراع فصل الملفين الفلسطيني واللبناني عن الملف النووي الإيراني بعدما نجحت إيران في إقامة ترابط وثيق بين موضوعها الخاص الذي يحمل بُعداً دولياً ويخضع للتوازنات الدولية وبين الموضوع المتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي.


المتعاطون بمتابعة ورصد الحركة الإيرانية في المنطقة لا يتوقعون أن تقنَع إيران بقبض ثمن سياسي لنفوذها تنحصر جغرافيته ضمن إيران وفي المناطق المحاذية لها. إن ما استطاعت «الدبلوماسية» الإيرانية تأكيده هو الانتقال إلى قبض أثمان خارج حدود مداها الجغرافي أي خارج منطقة الخليج بمجملها، لذلك وفي ظل انكشاف المنطقة أمام استثمار إيراني لا يوازيه أي استثمار آخر تحولت إيران من دولة إقليمية إلى منظومة فاعلة مُبادِرة قادرة على إمساك أوراق الفعل من جهة والتعطيل من جهة ثانية. فحيث لا تكون السياسة الإيرانية هجومية من خلال أدواتها العسكرية أو من خلال تشجيع الخطوات المحسوبة لصالحها كحرب تموز في لبنان أو انقلاب «حماس» في غزة تكون من خلال أدواتها وماكينتها السياسية مُعطِلة وتمتلك القدرة على الرفض كما تواجه أنابوليس وكما تواجه الاتجاه العربي والدولي الذاهب إلى حل الموضوع اللبناني.


لا يستطيع المرء إلا أن يتابع تراكم الأداء الإيراني منذ بداية حقبة الثورة الإيرانية نهاية السبعينيات والذي كان بمجمله أداءً عقائدياً بامتياز ميّزه العمل من ضمن الوعي القومي العام المعادي للغرب وإسرائيل في المنطقة. اجتهد الأداء الإيراني من داخل الإطار القومي ونما معه وفي ظله ولم يصل إلى حدود التناقض معه إلا مؤخراً حيث استفاقت المنطقة على نفوذ إيراني من غير الممكن تجاهله أو تخطيه فيما خص أي موضوع صغيراً كان أو كبيراً.


بعد انتهاء الحرب الباردة وبعد تحول الأنظمة العربية التي ادّعت القومية والتزمت شعاراتها وفشلت في المواءمة بين تصديها للمشروع الصهيوني وتحقيق الديموقراطية لشعوبها وبعد دخول صدام حسين إلى الكويت وتمديد إقامة الجيش السوري في لبنان وترافقاً مع الشروع في عملية مدريد ومن ثم أوسلو ووعي الشعب الفلسطيني لمصالحه وعودته إلى النضال في الداخل، بعدما تقاذفته واستخدمته الأنظمة «القومية» لمصالحها الخاصة، بعد كل ذلك دخلت المنطقة في مرحلة نمو الوعي الوطني والكياني بعد فشل التجربة القومية في السلطة وكبديل عن ارتباط الملفات المصيرية ببعضها وبعد فشل تجارب الوحدة بين الدول والشعوب، فكان الانعطاف من القومي إلى الوطني وليد حاجة ونزوع للتغيير ونتيجة فشل عمليات الربط القسرية. وعلى ذلك نمت أنماط الوعي الوطني في الكويت ولبنان وفلسطين ومصر وغيرها وتميزت بالتزام أولويات المصلحة الوطنية من جهة والالتزام بالموضوع القومي من داخل منظومة الجامعة العربية وعلى قاعدة التعاطي الرسمي العربي الذي يلتزم المبادرة العربية التي أقرت عام 2000 في قمة بيروت مدخلاً لحل القضايا العربية العالقة. حتى ليبيا انكفأت إلى قضاياها الداخلية، لكن لم تدم هذه الحال طويلاً حتى استطاعت الماكينة الإيرانية العودة بالأمور إلى سابق عهودها، فحضر هذا الترابط الذي فرض شروطه على المنطقة والغرب على حد سواء وتحوّل معه النظام الإيراني إلى حاضر دائماً في فلسطين ولبنان وسورية والعراق.


إن السؤال الذي يطرح نفسه على الواقع العربي هو :هل بإمكانه اليوم حل قضاياه العالقة بمعزل عن ثمن يُدفع إلى إيران؟ والسؤال الآخر الأكثر تعقيداً هو: هل ينحصر هذا الثمن بمكسب سياسي يخص إيران ذاتها أم أن هذا الثمن عليه أن يُثبّت وضعية القوى والحالات التي وظفتها إيران في دول المنطقة؟ فيتحول إذ ذاك أي حل من الحلول المُتوقعة تكريساً تلقائياً لدور إيران الإقليمي ويتم تشريع هذه الأدوار وجمعها لتنعكس في النهاية تشرذماً للعرب وانعكاساً لوهنهم.


لفت تصريح لوزير الدفاع الإيراني في معرض انتقاده لانعقاد مؤتمر أنابوليس حيث اعتبر أن «الهدف الحقيقي من وراء عقد مؤتمر أنابوليس هو تشكيل جبهة جديدة من العرب وإسرائيل في مواجهة إيران». فحيث تتملك هذه النظرة الساسة والايديولوجيين الإيرانيين فإن المنطقة ستكون من الآن وصاعداً رهينة لرغبتهم وشذوذهم، وكل استحقاق يحصل مثل الرئاسة اللبنانية والحوار الفلسطيني الفلسطيني أو تتمات مؤتمر أنابوليس أو غير ذلك ستكون لهم فيه حصة كبيرة أما تسويةً أو إعاقة!

المصدر:
الحياة

خبر عاجل