#adsense

بكركي و “حزب الله”

حجم الخط

ليس في السياسة اللبنانيّة ما هو أشدّ انتهازيّة من النموذج الذي يطبع علاقة " حزب الله " بمسيحيّي " 8 آذار " عموماً، وبكركي خصوصاً.

في علاقاته الأخرى، يعتمد " حزب الله " أحد منهجيْن:

– إمّا تقاطع المصالح على أساس الريبة والحذر ، كما يفعل مع وليد جنبلاط والطائفة الدرزيّة.

– وإمّا الإستعداء على قاعدة الغَلَبة والكسر، كما يفعل مع " تيّار المستقبل " والطائفة السنّية.

مع المسيحيّين يُتقن لعبة الإبتزاز تحت شعار إيهامهم بالحماية . فهو القويّ الجبّار الذي يردّ عن المسيحيّين غول الأكثريّة وخطر التكفيريّين ، تماماً كما يفعل حليفه نظام بشّار الأسد.

مع الآخرين ، يتخلّى " حزب الله " عن شيء من الباطنيّة ويكشف بعض أوراقه.

مع المسيحيّين، يمارس عقيدته، وعقدته التاريخيّة بكلّ تجلّياتها:

– يمتدح حلفاءه علناً كَدَيْن عليه "إلى يوم الدين"، ويقضم حقوق مسيحيّيهم في كلّ الاتجاهات، في السياسة والإدارة والأرض، من لاسا إلى المتن وبعبدا والجنوب وشمال البقاع، وصولاً الآن إلى قلب عاليه والشوف. ولا يتورّع عن قتل ضابط ومواطن وجنود، وخطف موظّف أو تاجر أو كاهن.

– ويقدّم الكفّ الناعمة والخدّ الأملس إلى بكركي، في عهدها الجديد، ويدغدغ حساسيّات بعض أحبارها ، لعلّها تنخرط في مشروع " تغيير وجه الشرق الأوسط " على التقويم الإيراني و"حلف الأقليّات".
وفي الوقت نفسه يضيّق على أملاكها في الجرد والساحل والداخل ، وعلى رعاتها ورهبانها في أكثر من دير وكنيسة ، ويحاصر أبناءها في تجاراتهم الصغيرة تحت حجّة منع المحرّمات ، بعدما هجّر مئات المؤسّسات المسيحيّة من وسط بيروت وأطراف الضاحية .

وقد تكون بكركي مدركة بعمق خطورة وجهيْ " حزب الله " معها ، وتريد ترتيب المشكلات بالدراية والمداورة والحسنى ، وتستقبله بالمحبّة المسيحيّة السمحاء .
ولكنّها محكومة بحماية حقوق أبنائها وتراثها وحضورها . ولا تُتقن أسلوبه في مستوييْن للتعامل . كما تعلم علم اليقين خطورة سلاحه على الدولة ، ولو بالغت ذات يوم في الدفاع عنه بحجّة الحق في المقاومة ، وتحميل العالم المسؤوليّة ، أو لم ترَ عيباً في دعمه نظام الأسد سياسيّاً وعسكريّاً.

وفي هذا السياق ، لا نرى مصلحة لبكركي في التناقض مع السياسة الوطنيّة المخلصة التي رسمها رئيس الجمهوريّة ، سواء في " إعلان بعبدا " الشهير ، أو في مواقفه الحازمة من خروج السلاح على مرجعيّة الدولة قبل " أيّوب " ومعها وبعدها ، وتجريم النظام السوري في أكثر من اعتداء على لبنان ، لاسيّما مؤامرة مملوك – سماحه ، واغتيال اللواء وسام الحسن .

ولعلّ بكركي أسمعت وفد " حزب الله " كلاماً من هذا العيار ، خدمةً للحقيقة أوّلاً ، ووضعاً للأمور في نصابها اللبناني الصحيح ثانياً ، برغم " التكليف " الذي قام به عون تمهيداً للوفد ، وتبشيره ب "الاستقرار" وكأنّ الاغتيال ومخطّط التفجير جزءٌ لا يتجزّأ من هذا الاستقرار !

لا يمكن أن تبقى العلاقة ملتبسة وباطنيّة بين بكركي و " حزب الله " . فإذا كان لحليفيْه عون وفرنجيّة مصلحة خاصّة معه ، في السياسة والخدمات والمال والإغتيالات (وقد اعتبرها عون من مسؤوليّة ضحاياها وفرنجيّه من قواعد اللعبة !) ، فلبكركي مصلحة وطنيّة فقط فوق حسابات السياسيّين وأطماعهم .

ولا يمكن أن ينسحب نهج الإبتزاز الذي يلتزمه الحزب مع مسيحيّي " 8 آذار " على علاقته ببكركي ، خصوصاً أنّه يستعدي الأكثريّة المسيحيّة في المعارضة .

وجميع المسيحيّين أبناء بكركي ، فليس في وسعها السماح له بابتزاز نصفهم وتهديد نصفهم الآخر . كما أنّ ليس في وسعها ترْك العنان لأحد من أوساطها ، فينبري لتبرئة " حزب الله " أو سواه من تورّط هنا ، وتفجير هناك ، واغتيال هنالك . خصوصاً أنّ أسماء ووقائع وأدلّة تتوافر في غير مسألة .

إذا بادر سياسيّون إلى توجيه تهمة ما ، فليس من واجب " وسط " من أوساط بكركي المبادرة إلى النفي ، وتسفيه هولاء السياسيّين .

العلاقة بين المسيحيّين و " حزب الله " ، عبر بكركي ، يجب أن تكون خارج الثنائيّة المعروفة : تبعيّة فريق وعدائيّة فريق آخر . ولا مجال لاستمرار لعبة الوجوه والأقنعة ، بعد انتهاء بربارة لبنان .

وحدها بربارة الإيمان باقية، مع اقتراب يومها التراثي.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل