داني شمعون… شهيد كل الأحرار
هكذا قتلوا النمر وعائلته
هرب العماد ميشال عون من القصر الجمهوري فجر 13 تشرين الاول تاركاً زوجته وبناته الثلاث تحت رحمة القدر والقوات السورية، وتخلى عن جنوده الذين كانوا يقاتلون حتى الرمق الاخير. ونسي عون في هروبه الكبير اقرب الناس اليه ومن وقفوا الى جانبه، وفي طليعتهم رئيس حزب الوطنيين الاحرار داني شمعون الذي لم يتخل عن عون حتى اللحظة الاخيرة، والذي قرر السوريون تصفيته لمنع وجود اي زعيم مسيحي يمكن أن "يرث" الجمهور الذي استقطبه عون في تلك المرحلة.
هنا تفاصيل الجريمة وما جرى في ذلك اليوم بعد تركيب الصورة من مصادر عدة، وأبرزها ما جاء في كتاب "كوبرا" المرافق الشخصي للوزير الراحل إيلي حبيقة:
يوم 14 تشرين الاول 1990 وصلت مجموعة من القوات الخاصة السورية واقامت حاجزاً عند المفرق المؤدي الى منزل داني شمعون في سنتر شاهين في بعبدا، تنفيذاً لقرار التضييق على داني شمعون الذي كان يستشعر الخطر الداهم عليه ويعتبر انه محاط بالذئاب في منطقة لا حماية فيها وخصوصاً بعدما وصله قرار قائد الجيش إميل لحود بسحب جنود الجيش الذين كانوا مكلفين تأمين الحماية لمنزله.
وقبل تنفيذ العملية بسبعة ايام عقد اجتماع تمهيدي في مقر رئيس جهاز الامن والاستطلاع التابع للقوات السورية في محلة البوريفاج حضره غازي كنعان، ايلي حبيقة عن المعلومات، جهاد الصفطلي للتنفيذ ورستم غزالي وجامع جامع للتنسيق والعمليات. وابلغ كنعان الحضور بقرار "كبير" بتصفية داني شمعون وطلب الى كل منهم القيام بما عليه لإنجاز عملية نظيفة. وفور فض الاجتماع قام غزالة بتأمين جناح في فندق كومفورت لإقامة الصفطلي ومجموعته استعداداً لتنفيذ عملية الاغتيال. وراح ايلي حبيقة يجمع المعلومات عن مكان تنفيذ عملية الاغتيال وظروف المبنى ومحيطه. وزار شخصياً مع مرافقه روبير حاتم سنتر شاهين في بعبدا، وقام بجولات عدة في محيط المبنى ورصد للمداخل والمخارج المؤدية اليه ودرس وضعية حاجز الجيش السوري المقام حديثاً اضافة الى حراس المبنى والمصاعد والادراج. وتوجه حاتم شخصياً مع مرافقيه الى المبنى حيث التقى السكرتير الخاص للمرحوم داني شمعون المدعو جورج سرسق الذي افاد حاتم بكل نية طيبة ان رئيسه يقيم في الطبقة الرابعة من المبنى، وانه للصعود اليه يجب ان يمر اولاً على مرافقه الشخصي ابراهيم عزام الملقب بـ "بوب" وهو احد مصابي الحرب، ولكن عزام ابلغ حاتم ان داني شمعون لم يطلب ابداً لقاء حبيقة وانه لا يريد ذلك ابداً. لكن داني شمعون عاد وقبل بتحديد موعد لاستقبال ايلي حبيقة في اليوم التالي عند الساعة الواحدة ظهراً. وعاد حاتم الى معلمه ليخبره بما جرى وليقدم له تقريراً كاملاً عن مشاهداته وعدد حراس داني شمعون واماكن تموضعهم.
لقي ايلي حبيقة استقبالاً بارداً من داني شمعون واجتمع معه على انفراد، في حين قام مرافقو حبيقة باستطلاع المبنى مرة جديدة وتحديد عدد الحراس وملاحظة تصرفاتهم مرة جديدة. وفور انتهاء الاجتماع، طلب حبيقة من مرافقيه التوجه فوراً الى مقر الاستخبارات السورية في البوريفاج حيث عقد اجتماع مطول في حضور مسؤولين من وحدة الاغتيالات، او الدائرة السياسية المسؤولة عن متابعة ملف الاغتيالات السياسية والاجرامية في لبنان. واستمر اجتماع حبيقة مع اركان الوحدة مدة تتجاوز الساعة، حيث جرى تقديم كل التفاصيل والمعلومات عن الشقة ورفض داني شمعون التعاون مع السوريين. وهنا صدر الامر الى النقيب جهاد الصفطلي ومجموعته بالاستعداد للضرب خلال ساعات. ومن اجل تأمين سلامة العملية جرى الطلب الى العقيد السوري علي حمود المسؤول عن لواء القوات الخاصة المنتشر في منطقة بعبدا برفع الحواجز العسكرية بين منطقتي الحازمية وبعبدا، وطلب الى اميل لحود شفيهاً الحد من تحرك دوريات الجيش اللبناني نهائياً اعتباراً من الساعة صفر من يوم تنفيذ العملية.ولمزيد من التضليل جرى تسريب معلومات الى عدد من ضباط الجيش عن نية القوات السورية اقتحام السفارة الفرنسية واعتقال العماد ميشال عون في الوقت الذي كان فيه الصفطلي وجماعته يزيتون سلاحهم.
يوم الجريمة كان داني شمعون وعائلته يغطون في نومهم من دون ان يدروا ان الجزار ينتظر على الباب، اما مرافقوه وسكرتيره، وخصوصاً المدعو بوب عزام بطل النمور الاصهب فكان يغط في نومه هو والحراس تاركين قائدهم وعائلته عرضة للقتل، فكان ان دخل النقيب السوري جهاد الصفطلي ومجموعته الى البناية ونفذوا عمليتهم الاجرامية وتركوا وراءهم ادلة تهدف الى توريط القوات اللبنانية وقائدها في الجريمة بدءاً من جهاز اللاسلكي "موتورولا" الشهير، وتولى "سيف النصارى" مهمة تدبيج النص الاتهامي في امور ما كان ليتركها اي قاتل محترف وراءه بل الخبثاء والمتأمرين.
لاحقاً واثناء محاكمة الدكتور سمير جعجع قام ايلي حبيقة بتسليم القاضي منيف عويدات نقداً حقيبة مليئة بالمال في منزل وجدي معوض في الاشرفية على كأس ويسكي، وقال له رينيه كعدو معوض "بهذا المال يجب ان تحفر حفرة عميقة لسمير جعجع لا يسعه الخروج منها ابدا"ً.
وفي وقت لاحق قتل السوريون جهاد الصفطلي في محلة ضهر البيدر للتخلص منه ومن اي اثر لما قام به.