#dfp #adsense

الشيخ حسن* … ورقصة “أَلـــَـموت*” (بقلم طارق حسّون)

حجم الخط

كتب طارق حسّون:

استعر السجال، واُثير الغبار… فغادرنا الحاضر على وجه السرعة… وانتقلنا تسعة قرونٍ في الزمن الى الوراء… الى "ألَموت"…

الزمان: القرن الثاني عشر ميلادي، المكان: قلعة "ألموت" المُنعزلة في ضاحيةٍ من ضواحي بلاد فارس حيث يتوارى الشيخ حسن زعيم فرقة "الحشاشين" المُنتمين الى غُلاة الشيعة الإسماعيلية.

يستقبلنا الشيخ حسن في مخبأه السرّي، وبعد الإعتذار منّا عن الإجراءات الأمنية المُشددّة المفروضة حول المخبأ، يدعونا لتناول الشاي، وما هي إلاّ دقائق معدودة حتى يطلب منا موافاته للقيام بجولةٍ في أرجاء القلعة.

في الخارج، الشيخ حسن مغترّاً بسلطانه ومزهوّاً بقدراته العسكرية، يستعرض امامنا ثُلّة من الفدائيين الذين اشبع فيهم الروح القتالية. وبعد ان رفع الشيخ حسن سبابته، باشر بمطالعته السياسية قائلاً: "قضيتنا هي تحرير القدس من العدّو الفرنجي، لقد خاض رجالنا معارك كثيرة ضدّهم وكان النصر الإلهي حليفهم، لكن الفرنجة يحاولون اليوم القضاء على مقاومتنا، وهنالك بعض الأطراف الإسلامية التي تتآمر علينا، وتحاول طعننا في الظهر، وعلى رأسهم دولة السلاجقة والعباسيون. يتهموننا بإغتيال الأمراء والحكّام المسلمين، وبينهم الوزير السلجوقي "نظام الملك" الذي كان في الحقيقة زميلاً لي في الدراسة، وصديقاً لـ مقاومتنا. فكيف يُعقل ان نغتاله؟ وقالوا إننا قتلنا "الأفضل" قائد الجيوش في مصر، وحاكم الموصل "البرزقي"، وبأننا اغتلنا المركيز "كونراد دو مونتفيرات" في القدس. لقد عرضنا قرائن دامغة استحصلنا عليها من مصادرنا العديدة في الشرق، وتؤكد كلها بأن المتصوفّة المتشددين هم من قتلوا "البرزقي"، وبأن عدداً من الرهبان المتطرفين هم الذين اغتالوا الماركيز الذي كان رجلاً مُعتدلاً، وذلك بهدف نسف وثيقة التفاهم التي وقعّنا عليها مع الفرسان الأسبتاريين… لكن المؤامرة الأجنبية التي تهدف الى تشويه صورة مقاومة الحشاشين لدى الشعوب الإسلامية، ولدى الشعب المسيحي في اوروبا، تريد ان تخلق فتنةً طائفية ومذهبية بأي ثمن"…

فسألناه مجدداً: "عُذراً، ولكن ما دام الذي تقولونه صحيحاً فلماذا لا تدعون إذاً الى إجراء تحقيق موضوعي يشترك فيه كل الأطراف، ويهدف الى كشف الحقيقة وتلميع صورتكم، وذلك بعدما وصمكم الجميع بصفة الإرهاب؟". فانتفض الشيخ حسن مُعترضاً:" ارفض مُطلقاً المّس بأيٌ رجلٍ من رجالي، ونحن لا نعترف بتحقيقٍ يشترك فيه الفرنجة أعداء الأمّة". ثم أشار بيده الى لوحٍ حجري ينتصب وسط القلعة ومدوّنٌ عليه اسماء شهداء الحشاشين، وأقسم بشرفهم متوعدّاً: "سنقطع يد من يتعرّض لمجاهدينا"…

تابعنا جولتنا في حديقة "ألموت" فأبهرتنا برونقها الخاص وهندستها الرائعة، وبعد برهةٍ من الزمن اقتربت منّا بعض الفتيات الجميلات اللواتي قدّمن لنا ما لذّ وطاب من الحلوى والفواكه… وبينما نحن نُشبع نهمنا في تذّوق الفاكهة والحلويات، إذ بالشيخ حسن مقاطعاً: "يحاولون تشويه صورتنا، التفتوا حولكم، هذه هي حضارتنا المُشرقة، فنحن معشر الحشاشين ثقافتنا التسامح والسلام". وبعد ان اومأ الشيخ حسن الى معاونه السياسي لمرافقتنا في طريق العودة، استأذننا بالرجوع الى حجرته لأداء فروض الصلاة.

كان معاون الشيخ حسن، ويُدعى الحاج بزرك أميد، في غاية اللطف ايضاً، فأبدى اعتذاره لعدم استطاعة الشيخ حسن المكوث معنا طويلاً "فهو رجل دين مُعمّم، يعيش حياة زهدٍ وتقشّف، ويمضي معظم اوقاته في الصلاة والتأمّل"، وأضاف: "يتّهمون الشيخ حسن باللعب على التناقضات بين السلاجقة والفاطميين والفرنجة والعباسيين، وممارسة التهديد والإغتيالات، من أجل إقامة دولةٍ في الشرق، ولكن كما ترون، فإننا نعيش في هذه البقعة المنعزلة زاهدين بالدنيا وبكل ما فيها من جاهٍ وسلطان، وهدفنا الوحيد تحرير القدس من الفرنجة". وقبل ان نُغادر، ناشدنا الحاج بزرك بأن ننقل مشاهداتنا للخارج، "لكي تكون شعوب العالم كلّها على بينّة من نبل مرامينا وحبنّا لثقافة الحياة في… ألموت"….

غادرنا "ألموت" ومنها انتقلنا مباشرة الى باريس…

الزمان: القرن العشرين، المكان: المكتبة الوطنية الفرنسية قسم الدراسات التاريخية. يصل محقق المخطوطات البلجيكي هنري لامنس يرافقه المحُقق برنارد لويس وبرفقتهما عشرات المُحققّين المتخصصين في تاريخ "الحشاشين"، فيعرضون أدلّتهم الموثّقة، ويتلو المحقق البلجيكي على الحاضرين خلاصة التحقيقات والإستنتاجات التي توصّلوا اليها:

*Assassins وتعني بالعربية "منفذي الإغتيالات"، ترجع هذه العبارة في جذورها واشتقاقها اللغوي الى كلمة "الحشاشين"، وقد اطلقها المؤرخون على مجموعةٍ دينية شيعية مغالية، تحصّنت في قلعة "ألموت" في بلاد فارس، ونفذّت عشرات الإغتيالات السياسية والعمليات الخطرة طيلة عقودٍ طويلةٍ من الزمن.

*الشيخ حسن الصباح زعيم فرقة الحشاشين، أنشأ مجموعة من الفدائيين -الإنتحاريين الذين اشبع فيهم روح الإنتقام من "أعداء المذهب".
كان الشيخ حسن رجل دين يعيش حياة زهد وتقشّف، في الوقت ذاته الذي يُرسل فيه رجاله لتنفيذ الإغتيالات وسفك الدماء.
يختبئ في قلعة "ألموت" في بلاد فارس، التي لم يغادرها طيلة حياته، وجعلها محميّة مُدججّة بالسلاح.
مشروعه إقامة دولةٍ مذهبية في الشرق، لها إمتداداتٌ في فارس والعراق وبلاد الشام.
خاض مناوشاتٍ محدودة مع الصليبيين، لأن عداءه الأساسي كان مُنصّباً ضد رؤساء الإسلام السنّي.

* "ألَــموت"Alamout ، قلعة مُحصّنة تقع في بلاد فارس، يوجد فيها حديقة كبيرة ملأى بأشجار الفاكهة، وفيها قصور وجداول وبنات جميلات. كان الشيخ حسن يُدخل مجموعاته الى القلعة ويُسقيهم حشيشة الكيف، ثم يتم نقلهم نياماً الى الحديقة، فيستيقظون على وقع "رقصة أَلَموت" التي كانت تؤديها الفتيات الجميلات، فيُشبعون رغباتهم، وبعدها يُسقى المجاهدون مخدرات الحشيش مجدداً، فيغطّون في نومٍ عميق، ثم يُنقلون من الحديقة ليمثلوا امام الشيخ حسن. وعندما يستيقظون يعتقدون أنهم كانوا في الجنة، فُيرسلهم الشيخ حسن عندها لتنفيذ الإغتيالات. ومن هنا تكنّوا بـ "الحشّاشين" ولاحقاً بالـ "اسّاسين" Assassins.

*اشتهرت هذه الفرقة بتنفيذ عددٍ كبير من الإغتيالات والعمليات الخطرة، منها:
_اغتيال الوزير السلجوقي "نظام الملك"، الذي كان زميلاً للشيخ حسن في الدراسة.
_اغتيال المركيز "كونراد دو مونتفيرات" في القدس. بعدما تخفّى المنفذّون بزيّ رهبان مسيحيين.
_ اغتيال حاكم الموصل "البرزقي" بعدما تخفّى المنفذّون بزّي صوفيين متشدّدين.
_ إغتيال "الأفضل"، قائد الجيوش في مصر، حيث أقام الحشاشون "الإحتفالات ووزعوا الحلوى إحتفاءً بهذا الإنجاز".
_ إغتيال حاكم الموصل السلجوقي "مودود" بينما كان يُسيّر حملةٍ عسكرية لمحاربة الصليبيين داخل سوريا، فأعتبر الحشاشون هذه الحملة خطراً عليهم. وقد اوفد الحشاشون بعض شهود الزور لبث الشائعات بغية إبعاد الشبهات عنهم، وإلصاق تهمة الإغتيال بحاكم دمشق.
_ محاولة إغتيال القائد "صلاح الدين الأيّوبي".
_ محاولة إغتيال الخليفة العباسي "المُسترشد بالله".
_ إنشاء شبكات إرهابية لتنفيذ الإغتيالات على كامل مساحة الشرق، ولاسيّما في مصر. وقد اعتُقل الكثير من عملاء الشيخ حسن في مصر.
_ ممارسة الإبتزاز السياسي والإقتصادي بحق الحّكام والدول.
_ تنفيذ عمليات خطف، ومعاقبة الشخصيات الدينية والمدنية التي تجرؤ على معارضتهم.
_ هناك وثائق تؤكّد تلقّي الحشاشين دعماً خفياً من الفرسان الصليبيين الأسبيتاريين.

*دُونّت لائحة الإغتيالات بالإضافة الى اسماء مخططّي ومنفذّي جرائم الإغتيال في "قائمة الشرف" على لوحٍ حجري انتصب وسط قلعة "ألموت". في العام 1103م تُسجّل "قائمة الشرف" إغتيال مفتي اصفهان في جامع المدينة، وفي العام 1109 إغتيال عبيدالله الخطيب قاضي اصفهان، وذلك على الرغم من انه كان يتخّذ الإحتياطات اللازمة ويتجول برفقة حرّاس، ويرتدي درعاً واقية.

* صورة الشيخ حسن المتواري عن الأنظار داخل قلعة "ألموت".


* صورة للمقّر السرّي للشيخ حسن في "الموت":

* خريطة تُظهر خطّ السير الذي سلكه "الحشاشون" لتنفيذ اغتيالاتهم.

* مُجسّم يُحددّ الأمكنة التي كان يتم فيها التخطيط لتنفيذ الإغتيالات.

* وثيقة تؤكّد تورّط الشيخ حسن في الإغتيالات، وفي رغبته في إقامة دولته الخاصة.

غادرنا المكتبة الوطنية الفرنسية في باريس… ومنها توجّهنا مباشرةً الى لاهاي…
الزمان: 30 حزيران 2011. المكان: قاعة المحكمة الجنائية الدولية. المناسبة: تلاوة القرار الإتهامي في جريمة إغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه…

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل