المفصل الديبلوماسي مثل مفصل المحكمة .. اما الاتكال على الانتخابات فقصته مختلفة!
فيما التقى اللبنانيون على اعتبار خطوة التبادل الديبلوماسي مع سورية ايجابية، غير ان النظرة الى مفاعيل الحدث لا تزال خاضعة الى تباين في تفسير طريقة التعاطي المستقبلي، لا سيما ان ذاكرة البعض لم تستوعب الى الآن ان يحمل المطالبة بالتبادل الديبلوماسي من عمر الاستقلال اللبناني (…) خصوصاً ان من كان يقارب ذلك بالكلام او بالاشارة، كان يتهم بوطنيته وعروبته وبما هو اكثر.
لذا، فإن المفصل الديبلوماسي ليس جديداً كحال كانت مرفوضة بالمطلق من الجانب السوري كما من جانب من كان من اللبنانيين، وربما لا يزال، يرى ان الابتعاد العضوي عن سورية تصرف مرفوض، اما الجديد في ما حدث، فهو اعتبار السوريين قبولهم بالندية السياسية مع لبنان امراً ليس بوسعهم رفضه، لكنه لم ولن ولا يشكل قناعة لديهم بإمكان التفريط بـ«الشط السوري»، خصوصاً ان دمشق اضطرت للقبول بما كانت ترفضه على مدى عقود من الزمن، لاعتبارات اقليمية ودولية لها علاقة بكل من سورية ولبنان على السواء!
وعندما يقول الرئيس نبيه بري ان «قوى الرابع عشر من اذار تكابر في ادعائها الوقوف وراء التبادل الديبلوماسي مع سورية» فإنه يغبنها حقها، فيما لا يدعي في المقابل اي دور لقوى 8 اذار وراء قرار دمشق القبول بالخطوة «لأن معظم فريق 14 اذار من غير المسلمين لم يتوقف يوماً عن المطالبة بالندية الاستقلالية والسيادية مع السوريين. ولولا هؤلاء لما بقي لبنان في «موقع الدولة غير المعترف بها» لأكثر من ستين سنة من الانظمة والحكومات التي تعاقبت على السلطة في سورية (…).
وفي حال كان اعتراض من احد على اعادة السوريين الاعتبار الى لبنان كدولة سيدة حرة ومستقلة، فهذا شأنه وليس بالضرورة شأوه، لا سيما ان احداً لم يكن يتصور قبول سورية بانتزاع القطر اللبناني منها بالسلم، لولا خطأ الاعتقاد «ان تجارب الماضي لا تزال ترسخ الفكر الاحتلالي ولو بتسميات مختلفة»!.
في الكلام الاخير والمتكرر للرئيس بشار الاسد ما يوحي وكأن معلوماته عن تصرفات على ارض لبنان وعلى الحدود مع لبنان، حالاً سياسية امنية غير مشجعة بالنسبة الى واقعة التمثيل الديبلوماسي، خصوصاً انه لفت الى تمويل داخلي ليصل الى حد «اتهام من لم يتوقف عن انتقاد سورية بأنه مستمر في مناهضتها». وهذا الأمر مرفوض ولن تقف منه موقف المراقب فحسب!
يقول سياسي لبناني بارز عن كلام الرئيس الاسد انه «يقصد المتحاملين»، خصوصاً اولئك الذين يستمرون في النظر الى المحكمة الدولية وكأنها «مقصلة معدة سلفاً للاقتصاص من النظام السوري»، فيما المطلوب سورياً اعتبار الاتهام بمثابة تصرف ظالم وليس في محله، والا فإن الخطة «B» بعد الاقرار بالتبادل الديبلوماسي قد تتقصد تعقيد الاجراءات التنفيذية، بما في ذلك «وضع فيتو» على هذا السفير او ذاك، «لإفهام من لم يفهم بعد ان دمشق قادرة ولا تزال قادرة على التصرف بما يحمي مواقفها السياسية وغيرها. وهناك ايضاً من يتحدث عن خطة «C» تقول بزيارة للرئىس الاسد الى لبنان رداً على زيارة الرئيس ميشال سليمان.
والملاحظ في هذا السياق ان ما هو حاصل الآن كان مرتقباً، الى حد اعتبار السجالات الاعلامية وكأنها مقصودة بهدف «جعل السوريين يبتلعون الصدمة». وبهدف «جعل اللبنانيين يفهمون ان المطلوب منهم هو استيعاب مكسب تاريخي وطني بحجم التبادل الديبلوماسي مع سورية».
وفي حال خلت الساحة السياسية التقليدية في سورية من اي فعل او رد فعل، بعكس ما هو سائد على الساحة اللبنانية، يبقى من الافضل لكل من يعنيه الامر في سورية وفي لبنان عدم صب الزيت على نار التصريحات والمواقف، مهما اختلف وزن من تنسب اليه، بدليل ان الايجابية قد سجلت في مواقف دول وحكومات يهمها لبنان بمستوى اهتمامها بقضايا المنطقة وسلامها الداخلي والاقليمي؟!
وعلى الذين يعزون اسباب التوتر المحلي الى «موجبات سياسية – شعبية ملحة» لها علاقة بالانتخابات النيابية، ان يفهموا ولو متأخرين ان المشهد العام في البلد لن يتغير بصورة جذرية مهما اختلفت نتائج التجييش الانتخابي، ان لجهة العلاقة الديبلوماسية مع سورية، او لجهة ما هو مرتقب لاحقاً بالنسبة الى المحكمة الدولية «لأن ما كتب قد كتب»: التبادل الديبلوماسي قد حصل ولا عودة به الى الوراء مهما اختلفت الظروف. والمحكمة الدولية لا عودة فيها ايضاً الى الوراء.
اما اذا كان هناك من يتصور ان بوسعه الضحك على الناخب في الساعات الاخيرة التي تسبق الانتخابات النيابية، فإن الحقيقة لا بد وان تصدمه قبل الانتخابات بكثير، خصوصاً ان «متفجرة الاستراتيجية الدفاعية» مرمية بوجه الجميع ولن يكون بوسع احد على الاطلاق التنصل من تبعاتها لا في السر ولا في العلن او من خلال تحالفات شكلية من الصعب، بل من المستحيل الركون الى نتائجها؟!