مع إزدياد عنف الحرب الأهلية في سوريا، تزداد فلول اللاجئين الى تركيا ولبنان والأردن بحيث تجاوز عددهم هذا الأسبوع المليوني نسمة. وهو رقم مرشح للإرتفاع بعدما استخدم النظام طائراته الحربية لقصف كل تجمعات يرتاب في تحركاتها.
التقرير الأخير الذي تصدره مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أشار أن عدد النازحين السوريين الذين يتلقون الحماية والمساعدة في لبنان زاد على مئة وخمس عشرة ألف نسمة.
وأعلن التقرير أن النازحين المسجلين رسمياً يتوزعون على مناطق مختلفة مثل عكار والبقاع وبيروت وطرابلس. وقد جاءت غالبيتهم من حمص ودمشق وحلب وإدلب وحماة.
على مستوى الحماية، أفاد التقرير أن الحكومة اللبنانية لم تنفذ إلتزاماتها في شأن التنازل عن رسوم تجديد الإقامة وتسوية أوضاع اللاجئين الذين إضطروا الى التسلل وإستخدام معابر غير رسمية. وأبلغ الأمن العام المفوضية أن الحكومة اللبنانية مضطرة الى تغطية الخسائر المرتبطة بالرسوم وذلك عبر الحصول على دعم دولي.
موجات اللجوء
تدفق موجات اللجوء في اتجاه تركيا فرض على رئيس الوزراء رجب طيب اردوغان تحديد قدرة الإستيعاب بمئة ألف لاجىء فقط. ولما زاد العدد على هذا الرقم إضطر للقيام بجولة خارجية شملت عدة دول بهدف إيجاد حل يوقف الحرب ويمهد لعودة النازحين.
وقادته الجولة الى برلين حيث عرض ظروف هذه المأساة المتنامية على المستشارة الألمانية انغيلا ميركل. وأطلعها على الفوضى العارمة التي أحدثها إنشاء 13 مخيماً في محافظات تقع على الحدود مع سوريا. وقال ان حكومته مستعدة لإستقبال مئة ألف لاجىء. ولكن الصيف الماضي شهد فرار أعداد إضافية الأمر الذي جعل من هذه المشكلة الإنسانية عبئاً يجب أن تشترك في حمله الأسرة الدولية، خصوصاً أن دول الجوار مثل تركيا والأردن ولبنان قد نالت نصيبها من نتائج الحرب
الأهلية السورية وتداعياتها السلبية. وأعرب وزير الخارجية الألماني عن إستعداد بلاده من الناحية المبدئية لإستقبال سوريين لجأوا الى تركيا، وإنما في إطار خطة دولية تشترك في رسمها دول الإتحاد الأوروبي والدول العربية أيضاً. ولكنه إشترط قبل مناقشة هذا المشروع وقف عملية الإقتتال لأن أعداداً كبيرة من اللاجئين تريد العودة الى سوريا.
في هذا السياق أعلن الناطق الإعلامي لشؤون اللاجئين السوريين في الأردن انمار الحمود أن المملكة الهاشمية تخطط لإنشاء مخيم جديد يقع شرق عمّان. وقال أن الهدف من تجهيز هذا المخيم تخفيف الضغط عن مخيم الزعتري الذي يقع في "محافظة المفرق" على مقربة من الحدود السورية. وتقدر الطاقة الإستيعابية لهذا المخيم بستين ألف نسمة.
ويستضيف الأردن، الذي يشترك وسوريا بحدود يزيد طولها عن 370 كيلومتراً، أكثر من مئتي ألف لاجىء ولاجئة منذ إنفجار الأحداث لدى جارته الشمالية (آذار – مارس 2011). ومنذ ذلك الحين لم تتوقف حركة العبور بشكل غير شرعي هرباً من القتال الدائر بين قوات النظام والمعارضة، أي القتال الذي حصد أكثر من 36 ألف قتيل، وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان.
في الصيف الماضي شهد مخيم الزعتري أعمال شغب قام بها اللاجئون بسبب أوضاعهم المعيشية المزرية، وفقدان الخدمات الإنسانية والغذائية والتعليمية. وعلى الفور أمر العاهل الأردني بضرورة تأمين الكهرباء وشق الطرقات داخل مساحة تبلغ 13 ألف دونم من الأراضي المسيّجة. وقد ساهمت القوات المسلحة، بالتعاون مع المنظمات الدولية التابعة للأمم المتحدة، في جعله مخيماً مستوفياً شروط المعايير الدولية. هذا مع العلم أن الأردن إستضاف أعداداً إضافية لم يعلن عنها، لأنها سكنت مؤقتاً في منازل داخل مدينة "الرمثا"، أو لدى أقارب وأصدقاء يعيشون في القرى المتاخمة لسورية.
على هامش أزمة النزوح الجماعي من سوريا، يتعرض لبنان لأزمة إضافية تتعلق بفريق من سكان مخيم اليرموك، أي المخيم الذي يضم أكثر من 180 ألف لاجىء فلسطيني من أصل ستمئة ألف.
ويبدو أن الفلسطينيين في سوريا يدفعون ثمن حيادهم، تماماً مثلما دفع الأرمن في لبنان ذلك الثمن الغالي أثناء الحرب اللبنانية. والسبب أن "حزب الكتائب" طالبهم بالدعم العلني في وقت إ ختار قادتهم الوقوف على الحياد، ولكن الأحزاب المسيحية اليمينية المتطرفة لم تقبل بذلك الخيار كونها وفرت للأرمن القادمين من طريق حلب حقوق التجنس واللجوء. وكان من نتائج ذلك الخلاف أن هاجر أكثر من نصف الجالية الأرمنية في لبنان الى كندا والولايات المتحدة الاميركية.
وهذا ما يعانيه اللاجئون الفلسطينيون الذين حاولوا الوقوف على الحياد في سوريا، الأمر الذي عرّضهم لإنتقام "شبيحة" النظام وهجمات "الجيش الحر".
والمعروف في دمشق أن النظام الذي حارب ياسر عرفات في لبنان، وطرده من طرابلس، لم يرحم جماعته وأنصاره في المخيمات. وأكبر دليل على هذا العداء المستحكم أن الرئيس بشار الأسد يرفض إستقبال إبن أخت عرفات ناصر قدوة كلما جاء الأخضر الإبرهيمي لزيارته، علماً أن الابرهيمي ورث قدوة عن كوفي انان.
والثابت أن النظام في سوريا لم يعد يحتمل المواقف المزدوجة في التعامل مع سياسته الداخلية والخارجية، والدليل أنه تخلى عن "حماس" فور إعلانها تأييد المعارضة، وإتهم خالد مشعل بالعمالة والخيانة.
وكان من الطبيعي أن ينعكس موقف الدولة السورية على أجواء المخيمات الفلسطينية الأمر الذي أدى الى نزوح عدد من العائلات الى المخيمات في الشمال وبعلبك وصيدا. وأعلنت وكالة "الاونروا" عن إنتقال أكثر من أحد عشر ألف لاجىء الى مخيم الجليل ومخيمات عين الحلوة والمية ومية والبص والرشيدية والبرج الشمالي قرب صيدا… والبداوي ونهر البارد شرق طرابلس.
وترى الدولة اللبنانية أن هذه المشكلة الإنسانية قد تتحول مشكلة سياسية في حال إزدادت أحداث المخيمات السورية وإضطر اللاجئون هناك الى البحث عن مأوى في مخيمات لبنان، خصوصاً أن خطة إستيعاب اللاجئين السوريين ستظل مقتصرة على السوريين فقط، لأسباب تتعلق بترحيلهم فور إنتهاء الحرب. في حين لا تعترف المفوضية العليا للاجئين بالمتسللين الفلسطينيين، خصوصاً إذا رفضوا العودة وضاعت آثارهم وسط المخيمات المزدحمة في مختلف مناطق لبنان.
عقب الإعلان عن ولادة "الإئتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية"، في الدوحة، ذكر في لندن أن رئيس الوزراء ديفيد كاميرون قد إتفق مع الرئيس الاميركي باراك اوباما على فرض حظر جوي على سوريا شبيه بالحظر الذي إستخدم سابقاً ضد نظام صدام حسين. وقالت الصحف أن السبب وراء ذلك يكمن في منع النظام السوري من إستخدام طائراته الحربية لقصف قوات المعارضة. وبسبب القصف العشوائي تزداد الحاجة الى ملاذات آمنة في تركيا ولبنان والأردن، كما يزداد عدد القتلى من الآمنين العزّل. وعليه تقرر إنشاء قوة ضاربة على شاكلة القوة التي أنشئت من دول الحلف الأطلسي لفرض التهدئة في صربيا. كل هذا بهدف الإلتفاف على الفيتو الروسي-الصيني، ومنع الدولة السورية من توظيفه لمصلحة إستمرار الحرب الأهلية.
وتقدر الأمم المتحدة أن أكثر من أربعة ملايين شخص تضرروا بقوة جراء الحرب، وقد إضطرتهم الغارات الجوية الى التشرد داخل البلاد وخارجها. ويبذل المتطوعون في لبنان والأردن وتركيا أقصى جهودهم لمواجهة الأزمة الإنسانية. ولكن الوضع المأسوي يدفع بالبعض للعودة الى المنازل بدلاً من قضاء الشتاء في خيمة باردة ليس فيها تدفئة، ولا تجهيزات وقاية، ولا تغذية صحية.
إضافة الى هذا فان اللجنة الدولية للصليب الأحمر إعترفت بالعجز عن تلبية الإحتياجات المتزايدة للمدنيين المحاصرين في الحرب الأهلية المتفاقمة في سوريا.
وكان رئيس اللجنة بيتر مورير قد أخذ وعداً من الرئيس بشار الأسد بالسماح لموظفيه بدخول 25 سجناً في مختلف المناطق السورية. ولم يطبق هذا الوعد إلا على سجون دمشق وحلب، في حين صرف النظر عن زيارات السجون الأخرى. وكان الموظفون يحتمون وراء القيود البيروقراطية والأمنية من أجل التهرب من المسؤولية.
التاريخ يعيد نفسه
في إجتماع القاهرة أعرب الحاضرون عن قلقهم البالغ ازاء تدهور الأوضاع الإنسانية في سوريا، وخصوصاً نزوح ما يزيد عن مليونين ونصف المليون مواطن الى دول الجوار، وربما قصدوا بـ "دول الجوار" كل الدول التي ساهمت في ايواء لاجئين مثل العراق وكردستان.
وأكد الوزراء الحاضرون على ضرورة مواصلة الجهود في إطار بيان جنيف الختامي، بغية الإتفاق على قرار من مجلس الأمن الدولي يطالب بالوقف الفوري لإطلاق النار بشكل ملزم لجميع الأطراف.
وفجأة، دخلت وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون على خط النقاش لتقول أن التسوية لا تشمل الرئيس بشار الأسد ونظامه، الأمر الذي يعفيه من شروط حل الأزمة. وقد أيدها في هذا التفسير نظيرها الفرنسي لوران فابيوس.
وكان من المنطقي أن يتدخل وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف ليؤكد أن التسوية تتم عادة بين فريقين متخاصمين. ويبدو أن إعتراف الغرب بشرعية المعارضة السورية لا يأخذ في الحسبان الشرعية التي توليها روسيا مع الصين للنظام القائم!
وبسبب الخلاف على مضمون النص ومستلزماته، إنسحبت موسكو وبيجينغ من إجتماعات التسوية في انتظار حدوث تغيير يفرض تجدد الحوار. ويبدو أن التغيير حصل في الدوحة بولادة "الإئتلاف الوطني"، الذي إعترفت به فرنسا ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب السوري. ومن المتوقع أن يفتح هذا الإعتراف الباب أمام دول الإتحاد الأوروبي. وعليه تركزت محادثات الوزير لافروف في الرياض هذا الأسبوع على أبعاد التغيير ومدى تجاوب موسكو مع طروحاته السياسية، خصوصاً أن الوضع الجديد يضع روسيا والصين وايران في كفة… مقابل غالبية دول العالم.
عقب التغيير السياسي الذي حصل في بولندا لمصلحة ستالين، قام تشرتشل بانشاء معارضة خارجية تدعمها دول الحلفاء. وساعد على تشكيل حكومة من كبار الأدباء والصحافيين البولنديين في المنفى، كان أفرادها يجتمعون كل أسبوع في شقة داخل فندق "كلاريدجز" في لندن.
والمضحك أن الإجتماعات الدورية لحكومة المنفى البولندية كانت تخرج دائماً ببيان يستنكر كل القرارات الصادرة عن الحكومة الفاعلة في وارسو.
والمؤسف أن التاريخ قد يعيد نفسه، وإنما في مكان آخر… وبواسطة أشخاص آخرين!