#adsense

أزمة 14 آذار : العجز عن مواجهة السلاح التحالف مع “الربيع” المجاور آخر الخيارات

حجم الخط

كتب ايلي الحاج في "النهار":

تتداول أوساط قيادية في تحالف القوى السيادية 14 آذار ورقة أولية- مسودة تبحث في الوسيلة الفضلى للتعامل مع موضوع السلاح، الضاغط على الحياة السياسية وعلى اللبنانيين في حياتهم ومصالحهم.

تستهل الورقة بعرض تاريخي يبدأ من عام 1992 عندما سلّمت الميليشيات اللبنانية في غالبيتها السلاح تطبيقاً لاتفاق الطائف ، باستثناء ميليشيا "حزب الله" التي ارتقت إلى مرتبة "المقاومة" بفعل عنصرين: أولهما استمرار الإحتلال الإسرائيلي الذي برّر منطق المقاومة. وثانيهما نظام الوصاية السوري الذي كان يستخدم "المقاومة" من أجل تحسين ظروف مفاوضاته مع إسرائيل في مدريد بموازاة إقفال جبهة الجولان منذ حرب 1973. بمعنى بذل الدم اللبناني في سبيل المفاوضات السورية.

في تموز 1993 أطلقت إسرائيل حرب "تصفية الحساب" أو "حرب الأيام السبعة"، كما سماها "حزب الله" رداً على إطلاق الحزب سيلاً من الصواريخ على المستوطنات. تحت وطأة القصف الجوي والبري الإسرائيلي اجتمعت الحكومة اللبنانية استثنائياً برئاسة الرئيس الياس الهراوي وحضور الرئيس رفيق الحريري واستدعي إلى الجلسة قائد الجيش إميل لحود . اتخذت الحكومة قراراً بإرسال الجيش اللبناني إلى الجنوب فأسرع العماد لحود في توجيه رسالة شكوى إلى القيادة السورية في دمشق التي استاءت وفوجئت بقرار الحكومة اللبنانية واستدعت وزير الدفاع محسن دلول لتبلغه رسالة واضحة إلى الرئيسين الهراوي والحريري: التراجع فوراً عن قرار الحكومة بتوجيه الجيش إلى الجنوب.

تذكّر الورقة بأن القيادة السورية أرسلت بعد ذلك شاحنات تحمل كميات إلى الإسمنت للجنوبيين ولافتات كبيرة كُتب عليها:" إسرائيل تهدم وسوريا تبني".

ساد اعتقاد في تلك الحقبة أن مفاوضات مدريد يمكن أن توصل المنطقة إلى سلام . وبعدما ترسخ اقتناع لدى الرئيس رفيق الحريري بأن القيادة السورية لن تتخلى عن سلاح "حزب الله" في الجنوب أقنع نفسه وآخرين بأن لا جدوى حتى من الإعتراض على سلاح الحزب المذكور. فبادر إلى محاولة تطويقه من خلال ابتكار نموذج غريب من الهندسات الإقتصادية يقوم على بناء "هونغ كونغ" تستوعب داخلها "هانوي"، بتعابير تلك المرحلة.

هكذا، كانت "سوليدير" تقوم بمهمتها تحت مظلة شكلها "تفاهم نيسان" الذي أوقف حرب "عناقيد الغضب" في 1996. واقتنع اللبنانيون ولاسيما القطاعات الإنتاجية بوجهة نظر الرئيس رفيق الحريري واندفعوا في الإستثمار المتعدد الوجه، حتى لو كان قرار السلم والحرب باقياً في يد "حزب الله". يعود ذلك التجاوب إلى عوامل ثلاثة هي:

– الضمان الذي مثّله الرئيس رفيق الحريري بشخصيته المعنوية في عالم الأعمال وقدرته على بث الثقة وطمأنة الخائفين.
– الأرباح الضخمة التي نالها المستثمرون الكبار، ولاسيما في القطاع المصرفي.
– اقتناع السعودية ودول الخليج الأخرى بالإستثمار في لبنان.

كان منطق الرئيس رفيق الحريري يقول باستحالة تغيير قرار القيادة السورية بدعم السلاح غير الشرعي في لبنان واستحالة التغلب على هذا القرار، لذلك ليس أمام اللبنانيين سوى محاولة فرض أمر واقع اقتصادي كي يتغلّب تدريجاً على منطق السلاح واستخدامه، في انتظار ظروف أفضل.

لكن هذه السياسة التي شارك فيها الجميع وكلّفت لبنان الكثير من الأموال والديون لم تستطع التوصل إلى إرساء توازن مع السلاح. وبعد حرب 1993 جاءت حرب 1996 وتلتها عام 2000 نشوة انسحاب إسرائيل من الجنوب مما أعطى "حزب الله" أحقية وفقا لمنطقه للتمسك بالسلاح.

في 14 شباط 2005 اغتيل الرئيس رفيق الحريري من دون أن يتمكن من العثور على حل لموضوع السلاح الذي بقي ضاغطاً على أوضاع لبنان رغم انسحاب الجيش السوري منه. وبعد حرب تموز 2006 بدا "حزب الله" الآمر الناهي في لبنان نتيجة لصموده في وجه الجيش الإسرائيلي.

حاولت قوى 14 آذار استخدام وسيلة أخرى من خلال معادلة "صناديق الإقتراع في مقابل السلاح". وفازت على التوالي في انتخابات 2005 و2009. لكن مقاومتها الديموقراطية هذه سرعان ما انهارت عندما واجهت السلاح الفعلي.

وعرض الرئيس الحريري الابن بين 2009 و 2010 معادلة أخرى بعدما كانت لجنة التحقيق الدولية والمحكمة الدولية قد حققتا تقدماً كبيراً على طريق جلاء حقيقة اغتيال والده الرئيس الشهيد. معادلة قوامها" المصالحة في مقابل السلاح"، وقد رفضها "حزب الله" ومن خلفه إيران.

وهذه السنة 2012 يطرح رئيس "جبهة النضال الوطني" النائب وليد جنبلاط معادلة أخرى: "السلاح في مقابل الصلاحيات" ، أي اتفاق طائف جديد يعطي "حزب الله" مزيداً من الصلاحيات والوزن في الدولة اللبنانية من خلال تمثيله الطائفة الشيعية. وهذه معادلة مرفوضة سلفاً من قوى 14 آذار المتمسكة باتفاق الطائف، كما هي مرفوضة من غالبية اللبنانيين لاعتبارات مذهبية وسياسية ووطنية.

بذلك تكون سقطت على التوالي معادلات: الإقتصاد في مقابل السلاح، الديموقراطية في مقابل السلاح، المصالحة في مقابل السلاح. وستسقط معادلة الصلاحيات في مقابل السلاح، كما هي محكومة بالسقوط معادلة السلاح في مقابل السلاح التي رفعها الشيخ أحمد الأسير وبعض من أمثاله.

تخلص الورقة إلى إن أزمة القوى السيادية 14 آذار تكمن في ابتكار معادلة جديدة للتعامل مع السلاح ، وليست أزمة من أي طبيعة أخرى.

إن أولى نتائج الربيع العربي هي تراجع نفوذ إيران في المنطقة بدليل انهيار النظام السوري الذي شكل لها جسر عبور إلى العالم العربي من خلال لبنان على نحو خاص ومركّز. فهل تلعب 14 آذار ورقة التحالف مع "الربيع العربي" (السوري) بعدما استنفدت كل الوسائل وأخفقت في مواجهة واقع السلاح الضاغط؟

المصدر:
النهار

خبر عاجل