البعثات الديبلوماسية ترصد أداءه الحريص على سياسة متوازنة
سليمان أمام خيارين صعبين في الانتخابات النيابية
مع اقتراب انتهاء مهلة الاشهر الستة الاولى من عهد الرئيس العماد ميشال سليمان في 25 من الشهر الجاري، تعتبر غالبية البعثات الديبلوماسية العاملة في لبنان ان أداء الرئيس سليمان يتسم بقرار كبير من التوازن الى حد يمكن معه القول انه يزن مواقفه "بميزان الجوهرجي"، وتالياً ان الاسباب حاضرة بقوة لتبرير اي خطوة يقوم بها . فغالبية اعضاء هذه البعثات عاشوا اشهر الفراغ العملي في الرئاسة الاولى بعد انتهاء ولاية الرئيس السابق اميل لحود، وقبلها غياب اي دور للرئاسة الاولى في العامين الاخيرين في ولايته، الى درجة تدفعهم الى تثمين وجود رئيس جديد يمثل لبنان ويزور الخارج منذ بعض الوقت للدلالة على انه بات للبنان رئيس للجمهورية هو رأس السلطة فيه. على ان بعض أعضاء هذه البعثات المهمة، لاضطلاعها بادوار دائمة في لبنان، يعتبر ان امام الرئيس سليمان تحديا كبيرا يتمثل في الانتخابات النيابية في الربيع المقبل. ليس من منطلق ان الرئيس راغب او غير راغب في الدخول على خط هذه الانتخابات، بل لأن هذه الانتخابات ستضعه امام خيارين احلاهما مر.
الخيار الاول هو انه في حال قرر الرئيس سليمان النزول عند نصيحة كثيرين برعاية او تبني، اي شكل من تشجيع وصول مستقلين الى النيابة فان ذلك قد يعرضه للوقوف في موقع صعب. فحتى لو لم يتبنّ مباشرة أي مرشحين ، فان اي لائحة من مرشحين مستقلين ستكون حكما في مواجهة لائحتي كل من قوى 14 اذار وقوى 8 اذار. واذا كان يمكن الأولى، أي قوى 14 اذار ان تتقبل هذا الأمر وتشجع عليه نسبياُ، فان قوى 8 اذار لا يرجح ان تكون منفتحة على ذلك بل على النقيض، خصوصاً رئيس "تكتل التغيير والاصلاح" العماد ميشال عون الذي لا يعتقد انه سيتساهل مع ما يعتبره حقه في كسب اكثرية مسيحية في الانتخابات المقبلة، كما "حزب الله" قد لا يكون مسروراً لذلك ايضا ولا الحلفاء الاقليميون، ولكن يرجح ان يكتفي الحزب بدعم مواقف حليفه العماد عون على قاعدة ان رئيس الجمهورية لم يعد حكماً واصبح طرفا وتاليا تصح مواجهته سياسياً كباقي الاطراف او الجهات السياسية، مما يمكن ان يترك اثراً بالغاً على الجزء الاكبر من عهده.
اما الخيار الآخر فيقضي بأن يتابع الرئيس سليمان سياسة الحياد والحكم بين طرفي 14 اذار و8 اذار ولا يقارب الانتخابات النيابية لا من قريب ولا من بعيد. وخطورة ذلك وفق ما ترى المصادر تكمن في احتمال لا بل ترجيح تعرض الرئيس ودوره للتهميش، خصوصاً ان فوز احد الفريقين سيدفع كلاً منهما الى ترجيح الخيارات السياسية التي يراها مناسبة على حساب مصلحة الآخرين بما فيها دور رئيس الجمهورية. وتالياً ستحكم نتائج الانتخابات المرحلة المقبلة او السنوات الخمس التالية من حكم الرئيس سليمان في هذا الاتجاه او ذاك، علماً انه تصعب متابعة الامور على هذا النحو في محاولة التوفيق بحكمة بين الافرقاء السياسيين في الداخل، والموازنة بينها وبين مواقف القوى الخارجية المؤثرة ايضاً، كما يصعب القبول بالتهميش لأنه سيعني اتصاف عهده بادارة الوضع في لبنان او الازمة فيه وليس اكثر من ذلك، على رغم ان ادارة الوضع االداخلي اللبناني في ذاتها مهمة بالغة الصعوبة باعتراف جميع العارفين بخفايا الوضع وتفاصيله الصغيرة. ولكن يقع على رئيس الجمهورية ان يدرس بدقة هذه المسألة ويقرر في ضوئها خصوصا ان اعتبارات اخرى تفرض نفسها، منها ان احتمال فوز قوى 8 اذار اي " حزب الله" وحلفائه بالاكثرية النيابية، ايا تكن نسبتها، باعتبار ان الاعتقاد المتداول لدى كل الجهات ان فوز اي فريق بالاكثرية لن يتعدى في احسن الاحوال أربعة او خمسة مقاعد – لان ثلثي المجلس النيابي بات محسوماً وتقرر ذلك في التقسيمات الانتخابية التي اعتمدت للانتخابات المقبلة – ربما يتم توظيفه على انه فوز لسوريا لا بل انه انتقامها لخروجها العسكري قسراً من لبنان في نيسان 2006 . ومن الصعب الا يوظف فوز "حزب الله" وحلفائه بعيدا من الخانة السورية او "الانتقام" السوري واحتفال دمشق بعودتها مظفرة الى الساحة السياسية اللبنانية عبر حلفائها إذا اخذت تصريحات الرئيس السوري بشار الاسد في هذا الاطار وتوقعاته فيها بفوز حلفائه في الانتخابات المقبلة، أو حتى تفسير "حزب الله" وحلفائه كافة بمن فيهم "التيار الوطني الحر" لاجتياج الحزب بيروت ومحاولته اجتياح الجبل في 7 ايار الماضي على انه التطور الذي ساهم في تغيير المعادلة الداخلية لمصلحتهم، وفق ما يكرر هؤلاء في كل مناسبة، بصرف النظر عن استخدام السلاح نحو الداخل في هذا التغيير.
ولا شك ان اعتبار فوز قوى 8 اذار انتقاماً سورياً سيترك آثارا سلبية على الوضع الداخلي في لبنان، ولن يسهل على الرئيس سليمان متابعة حكمه بسهولة في المرحلة المقبلة. فنحو اي خيار سينحو رئيس الجمهورية؟
تقول المصادر انها لن تسعى اطلاقاً الى تقديم النصيحة في اي اتجاه باعتبار ان رئيس الجمهورية وحده يعرف اجراء حساب الربح والخسارة ليقرر أياً من الخيارين يعتمد، مع السعي في حال اختيار احدهما الى حصر الاضرار قدر الامكان، وذلك في حال لم تطرأ أي تطورات تؤثر سلباً في اجراء الانتخابات في موعدها. وهذا الاحتمال يبقى وارداً تبعاً للظروف الاقليمية وحتى المحلية، خصوصا ان نسبة الخطورة لا تزال مرتفعة على اكثر من صعيد.