الأفذاذ لا يتكررون
الأفذاذ يرحلون … ونادراً ما يتكررون.
ومن هؤلاء جمال عبد الناصر.
في مقدمتهم: كميل شمعون، سليمان فرنجيه، كمال جنبلاط.
في العصر الحديث: طوني سليمان فرنجيه، وبشير الجميل وداني شمعون ورفيق الحريري.
وهؤلاء ثمة مَن أحبهم الناس بقوة،
… ومَن ناصبوهم العداء بقوة.
هذه هي السياسة.
ولو كان العالم كله من رأي واحد، لكان زال وانتهى.
يُروى أن رجلاً كان فقيراً، لكنه كان غنياً بإيمانه والخُلق.
وذات مرة ناشد ربه أن يصير كل ما يلمسه ذهباً.
واستجاب الرب لدعاء الرجل المؤمن، وأصبح كل ما تقع يداه عليه ذهباً، حتى الخبز الذي يأكله.
وفي اليوم التالي، حاول أن يأكل الأصفر اللماع، فما استطاعت أسنانه أن تقضمه.
ومن ثم ناشد ربه ثانية، أن (يحرره) من دعائه .
والمغزى من هذا المثل، أن القناعة كنز لا يفنى.
أما المناسبة، مناسبة ترداد هذه الرواية، فهي ذكرى استشهاد داني شمعون وزوجته وطفليه.
***
كان الرجل، قائداً بكل ما للكلمة من معنى.
بعد عملية 13 تشرين الأول 1989، على الرئيس العماد ميشال عون، جثمت المخاوف على حياة رئيس حزب الوطنيين الأحرار.
وقبل رحيله بثلاثة أيام، سحبت العناصر المولجة بحمايته من منزله، كما من أمام منازل سواه.
طلب منه المناصرون والأصدقاء، أن يتولوا هذه المهمة، فأبى.
عشية استشهاده زاره صديق، وأبلغه أنه ذاهب في اليوم التالي الى العماد اميل لحود، ليطلب من القائد الجديد للجيش اعادة الحماية المرفوعة الى داره.
حاول القائد السياسي أن يثنيه عن عزمه، لكن الزائر، غادر منزله في بناية شاهين الواقعة بين بعبدا والحدث.
عند الساعة السابعة من صباح الأحد الواقع فيه التاسع عشر من تشرين الأول 1989، شعر الصديق الزائر، أن حلماً (يطارده)، ومفاده أن مسلحين اقتحموا ليلاً منزل داني شمعون، وتمت تصفيته مع عائلته.
كانت هذه أضغاث أحلام مزعجة، لكنه استيقظ على صوت زوجته الآتية لإخباره بما حدث، كما سمعت من الراديو.
وعقّب الرجل على الفاجعة، بأن لبنان خسر قائداً لا يتكرر أمثاله دائماً.
أحب داني كميل شمعون لبنان بكل جوارحه.
دافع عنه مع (نمور الأحرار) في كل موقع وميدان.
ومعظم الناس كانوا يرددون، بأن حفيد نمر شمعون، كان نمراً من بطولة، لا نمراً من ورق.
في تلك الحقبة، كان يقول إن المرحلة تلك، تتطلب رجالاً أشداء، وصحافيين أقوياء في قول الحقائق ونقلها الى الناس، ومقاتلين يواجهون الخصوم للارتداع، لا لمجرد الخلاف.
ما أقساها الحرب!
التهمت بنارها لبنان ورجاله والقادة.
كان أحمد حسن الزيات، يقول إن الوطن تحييه الدماء، وتذهب به الدموع.
كم من الأفذاذ رحلوا تباعاً، واختلفوا في آرائهم أزماناً، لكن ذكراهم باقية.
إنهم يرحلون، ولا أحد ينساهم، لكنه نادراً ما يتكررون.